تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الله تعالى . فهذا التبريك تبريك ذوات لا تبريك مكان بدليل ذكر ﴿ من ﴾ الموصولة في الموضعين ، وهو تبريك الاصطفاء الإلهي بالكرامة . وقيل إن قوله ﴿ أن بورك من في النار ﴾ إنشاء تحية من الله تعالى إلى موسى عليه السلام كما كانت تحية الملائكة لإبراهيم ﴿ رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت ﴾ ( هود : 73 ) أي أهل هذا البيت الذي نحن فيه .

و ﴿ سبحان الله رب العالمين ﴾ عطف على ما نودي به موسى على صريح معناه إخبارا بتنزيه الله تعالى عما لا يليق بإلهيته من أحوال المحدثات ليعلم موسى أمرين : أحدهما أن النداء وحي من الله تعالى ، والثاني أن الله منزه عما عسى أن يخطر بالبال أن جلالته في ذلك المكان . ويجوز أن يكون ﴿ سبحان الله ﴾ مستعملا للتعجيب من ذلك المشهد وأنه أمر عظيم من أمر الله تعالى وعنايته يقتضي تذكر تنزيهه وتقديسه .

وفي حذف متعلق التنزيه إيذان بالعموم المناسب لمصدر التنزيه وهو عموم الأشياء التي لا يليق إثباتها لله تعالى وإنما يعلم تفصيلها بالأدلة العقلية والشرعية .

فالمعنى : ونزه الله تنزيها عن كل ما لا يليق به ، ومن أول تلك الأشياء تنزيهه عن أن يكون حالا في ذلك المكان .

وإرداف اسم الجلالة بوصف ﴿ رب العالمين ﴾ فيه معنى التعليل للتنزيه عن شؤون المحدثات لأنه رب العالمين فلا يشبه شأنه تعالى شؤونهم .

وضمير ﴿ إنه ﴾ ضمير الشأن ، وجملة : ﴿ أنا الله العزيز الحكيم ﴾ خبر عن ضمير الشأن . والمعنى : إعلامه بأن أمرا مهما يجب علمه وهو أن الله عزيز حكيم ، أي لا يغلبه شيء ، لا يستصعب عليه تكوين .

وتقديم هذا بين يدي ما سيلقى إليه من الأمر لإحداث رباطة جأش لموسى ليعلم أنه خلعت عليه النبوءة إذ ألقي إليه الوحي ، ويعلم أنه سيتعرض إلى أذى وتألب عليه ، وذلك كناية عن كونه سيصير رسولا ، وأن الله يؤيده وينصره على كل قوي ، وليعلم أن ما شاهد من النار وما تلقاه من الوحي وما سيشاهده من قلب العصا حية ليس بعجيب في جانب حكمة الله تعالى ، فتلك ثلاث كنايات ، فلذلك

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ١٩ · الصفحة ٢٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ١٩ · ص ٢٢٧