تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نهيه عن الخوف من انتفاء موجبه . وهذا كناية عن تشريفه بمرتبة الرسالة إذ علل بأن المرسلين لا يخافون لدى الله تعالى .

ومعنى ﴿ لدي ﴾ في حضرتي ، أي حين تلقي رسالتي . وحقيقة ﴿ لدي ﴾ مستحيلة على الله لأن حقيقتها المكان .

وإذا قد كان انقلاب العصا حية حصل حين الوحي كان تابعا لما سبقه من الوحي ، وهذا تعليم لموسى عليه السلام التخلق بخلق المرسلين من رباطة الجأش . وليس في النهي حط لمرتبة موسى عليه السلام عن مراتب غيره من المرسلين وإنما هو جار على طريقة : مثلك لا يبخل . والمراد النهي عن الخوف الذي حصل له من انقلاب العصا حية وعن كل خوف يخافه كما في قوله : ﴿ فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى ﴾ ( طه : 77 ) .

والاستثناء في قوله : ﴿ إلا من ظلم ﴾ ظاهره أنه متصل . ونسب ابن عطية هذا إلى مقاتل وابن جريج فيكون ﴿ من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء ﴾ مستثنى من عموم الخوف الواقع فعله في حيز النفي فيعم الخوف بمعنى الرعب والخوف الذي هو خوف العقاب على الذنب ، أي إلا رسولا ظلم ، أي فرط منه ظلم ، أي ذنب قبل اصطفائه للرسالة ، أي صدر منه اعتداء بفعل ما لا يفعله مثله في متعارف شرائع البشر المتقرر أنها عدل ، بأن ارتكب ما يخالف المتقرر بين أهل الاستقامة أنه عدل ( قبل أن يكون الرسول متعبدا بشرع ) فهو يخاف أن يؤاخذه الله به ويجازيه على ارتكابه وذلك مثل كيد إخوة يوسف لأخيهم ، واعتداء موسى على القبطي بالقتل دون معرفة المحق في تلك القضية ؛ فذلك الذي ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء ، أي تاب عن فعله وأصلح حاله يغفر الله له .

والمقصود من هذا الاستثناء على هذا الوجه تسكين خاطر موسى وتبشيره بأن الله غفر له ما كان فرط فيه ، وأنه قبل توبته مما قاله يوم الاعتداء ﴿ هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي ﴾ ( القصص : 15 ، 16 ) ، فأفرغ هذا التطمين لموسى في قالب العموم تعميما للفائدة .

واستقامة نظم الكلام بهذا المعنى يكون بتقدير كلام محذوف يدل عليه التفريع

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ١٩ · الصفحة ٢٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ١٩ · ص ٢٢٩