ظنهم ذلك ، وسلط الإنكار على فعل الترك لأن تركهم على تلك النعم لا يكون . فكان إنكار حصوله مستلزما إنكار اعتقاده .
وهذا الكلام تعليل للإنكار الذي في قوله : ﴿ ألا تتقون ﴾ ( الشعراء : 142 ) لأن الإنكار عليهم دوام حالهم يقتضي أنهم مفارقون هذه الحياة وصائرون إلى الله .
وفيه حث على العمل لاستبقاء تلك النعم بأن يشكروا الله عليها كما قال صاحب ( الحكم ) ( من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها ومن شكرها فقد قيدها بعقالها ) .
و ﴿ هاهنا ﴾ إشارة إلى بلادهم ، أي في جميع ما تشاهدونه ، وهذا إيجاز بديع . و ﴿ آمنين ﴾ حال مبينة لبعض ما أجمله قوله : ﴿ فيما هاهنا ﴾ . وذلك تنبيه على نعمة عظيمة لا يدل عليها اسم الإشارة لأنها لا يشار إليها وهي نعمة الأمن التي هي من أعظم النعم ولا يتذوق طعم النعم الأخرى إلا بها .
وقوله : ﴿ في جنات ﴾ ينبغي أن يعلق ب ﴿ آمنين ﴾ ليكون مجموع ذلك تفصيلا لإجمال اسم الإشارة ، أي اجتمع لهم الأمن ورفاهية العيش . والجنات : الحوائط التي تشجر بالنخيل والأعناب .
والطلع : وعاء يطلع من النخل فيه ثمر النخلة في أول أطواره يخرج كنصل السيف في باطنه شماريخ القنو ، ويسمى هذا الطلع الكم ( بكسر الكاف ) وبعد خروجه بأيام ينفلق ذلك الوعاء عن الشماريخ وهي الأغصان التي فيها الثمر كحب صغير ، ثم يغلظ ويصير بسرا ثم تمرا .
والهضيم : بمعنى المهضوم ، وأصل الهضم شدخ الشيء حتى يلين ، واستعير هنا للدقيق الضامر ، كما يقال : امرأة هضيم الكشح . وتلك علامة على أنه يخرج تمرا جيدا . والنخل الذي يثمر تمرا جيدا يقال له : النخل الإناث وضده فحاحيل ، وهي جمع فحال ( بضم الفاء وتشديد الحاء المهملة ) أي ذكر ، وطلعه غليظ وتمره كذلك .
وخص النخل بالذكر مع أنه مما تشمله الجنات لقصد بيان جودته بأن طلعه هضيم .