وزاد نوح قوله بيانا بقوله : ﴿ وما أنا بطارد المؤمنين إن أنا إلا نذير مبين ﴾ وبين هذا المعنى قوله في الآية الأخرى ﴿ الله أعلم بما في أنفسهم ﴾ في سورة هود ( 31 ) .
والقصر في قوله : ﴿ إن حسابهم إلا على ربي ﴾ قصر موصوف على الصفة ، والموصوف هو ﴿ حسابهم ﴾ والصفة هي ﴿ على ربي ﴾ ، لأن المجرور الخبر في قوة الوصف ، فإن المجرورات والظروف الواقعة أخبارا تتضمن معنى يتصف به المبتدأ وهو الحصول والثبوت المقدر في الكلام بكائن أو مستقر كما بينه علماء النحو . والتقدير : حسابهم مقصور على الاتصاف بمدلول ﴿ على ربي ﴾ . وكذلك قدره السكاكي في ( المفتاح ) ، وهو قصر إفراد إضافي ، أي لا يتجاوز الكون على ربي إلى الاتصاف بكونه علي . وهو رد لما تضمنه كلام قومه من مطالبته بإبعاد الذين آمنوا لأنهم لا يستحقون أن يكونوا مساوين لهم في الإيمان الذي طلبه نوح من قومه .
وقوله : ﴿ لو تشعرون ﴾ تجهيل لهم ورغم لغرورهم وإعجابهم الباطل . وجواب ﴿ لو ﴾ محذوف دل عليه ما قبله . والتقدير : لو تشعرون لشعرتم بأن حسابهم على الله لا علي فلما سألتمونيه . ودل على أنه جهلهم قوله في سورة هود ( 29 ) { ولكني أراكم قوما تجهلون . هذا هو التفسير الذي يطابق نظم الآية ومعناها من غير احتياج إلى زيادات وفروض .
والمفسرون نحوا منحى تأويل الأرذلون } أنهم الموصوفون بالرذالة الدنية ، أي الطعن في صدق إيمان من آمن به ، وجعلوا قوله : ﴿ وما علمي بما كانوا يعملون ﴾ تبرؤا من الكشف على ضمائرهم وصحة إيمانهم . ولعل الذي حملهم على ذلك هو لفظ الحساب في قوله : ﴿ إن حسابهم إلا على ربي ﴾ ، فحملوه على الحساب الذي يقع يوم الجزاء وذلك لا يثلج له الصدر .
وعطف قوله : ﴿ وما أنا بطارد المؤمنين ﴾ على قوله : ﴿ وما علمي بما كانوا يعملون ﴾ فبعد أن أبطل مقتضى طردهم صرح بأنه لا يفعله .
وجملة : ﴿ إن أنا إلا نذير مبين ﴾ استئناف في معنى التعليل ، أي لأن وصفي يصرفني عن موافقتكم .