والمعنى : أي شيء علمي بما كانوا يعملون حتى اشتغل بتحصيل علم ما كانوا يعملون وأعمالهم بما يناسب مراتبهم فأنا لا أهتم بما قبل إيمانهم .
وضمن ﴿ علمي ﴾ معنى اشتغالي واهتمامي فعدي بالباء .
و ﴿ ما كانوا يعملون ﴾ موصول ما صدقه الحالة لأن الحالة لا تخلو من عمل . فالمعنى : وما علمي بأعمالهم . وهذا كما يقال في السؤال عن أحد : ماذا فعل فلان ؟ أي ما خبره وما حاله ؟ ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم للصبي الأنصاري : ( يا أبا عمير ما فعل النغير ) لطائر يسمى النغر ( بوزن صرد ) وهو من نوع البلبل كان عند الصبي يلعب به ، ومنه قوله لمن سأله عن الذين ماتوا من صبيان المشركين : ( الله أعلم بما كانوا عاملين ) أي الله أعلم بحالهم ، فهو إمساك عن الجواب . وقريب منه قول العرب : ما باله ، أي ما حاله ؟ .
وفعل ﴿ كانوا ﴾ مزيد بين ( ما ) الموصولة وصلتها لإفادة التأكيد ، أي تأكيد مدلول ( ما علمي بما يعملون ) . والمعنى : أي شيء علمي بما يعملون . وليس المراد بما كانوا عملوه من قبل . والواو في قوله : ﴿ بما كانوا ﴾ فاعل وليست اسما ل ( كان ) لأن ( كان ) الزائدة لا تنصب الخبر .
وشمل قوله : ﴿ بما كانوا يعملون ﴾ جميع أحوالهم في دينهم ودنياهم في الماضي والحال والمستقبل والظاهر والباطن .
والحساب حقيقته : العد ، واستعمل في معنى تمحيض الأعمال وتحقيق ظواهرها وبواطنها بحيث لا يفوت منها شيء أو يشتبه .
والمعنى : أن الله هو الذي يتولى معاملتهم بما أسلفوا وما يعملون وبحقائق أعمالهم . وهذا المقال اقتضاه قوله : ﴿ وما علمي بما كانوا يعملون ﴾ من شموله جميع أعمالهم الظاهرة والباطنة التي منها ما يحاسبون عليه وهو الأهم عند الرسول المشرع ، فلذلك لما قال : ﴿ وما علمي بما كانوا يعملون ﴾ أتبعه بقوله : ﴿ إن حسابهم إلا على ربي ﴾ على عادة أهل الإرشاد في عدم إهمال فرصته . وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم ( فإذا قالوها ( أي لا إلاه إلا الله ) عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ) ، أي تحقيق مطابقة باطنهم لظاهرهم على الله .