والإعراض : الصد أي عدم الإقبال على الشيء ، من العرض بضم العين وهو الجانب ، لأن من يترك الشيء يوليه جانبه ولا يقبل عليه فيشمل الإعراض إعراض السمع عن اللغو ، وتقدم عند قوله : ﴿ فأعرض عنهم وعظهم في سورة النساء ( 63 ) ، وقوله : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم ﴾ في سورة الأنعام ( 68 ) ، وأهمه الإعراض عن لغو المشركين عند سماع القرآن ﴿ وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ﴾ ( فصلت : 26 ) وقال تعالى : ﴿ وإذا مروا باللغو مروا كراما ﴾ ( الفرقان : 72 ) . ويشمل الإعراض عن اللغو بالألسنة ، أي أن يلغوا في كلامهم .
وعقب ذكر الخشوع بذكر الإعراض عن اللغو لأن الصلاة في الأصل الدعاء ، وهو من الأقوال الصالحة ، فكان اللغو مما يخطر بالبال عند ذكر الصلاة بجامع الضدية ، فكان الإعراض عن اللغو بمعنيي الإعراض مما تقتضيه الصلاة والخشوع لأن من اعتاد القول الصالح تجنب القول الباطل ومن اعتاد الخشوع لله تجنب قول الزور ، وفي الحديث ( إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم ) .
والإعراض عن جنس اللغو من خلق الجد ومن تخلق بالجد في شؤونه كملت نفسه ولم يصدر منه إلا الأعمال النافعة ، فالجد في الأمور من خلق الإسلام كما أفصح عن ذلك قول أبي خراش الهذلي بذكر الإسلام :
وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل
سوى العدل شيئا فاستراح العواذل
والإعراض عنه يقتضي بالأولى اجتناب قول اللغو ويقتضي تجنب مجالس أهله .
واعلم أن هذا أدب عظيم من آداب المعاملة مع بعض الناس وهم الطبقة غير المحترمة لأن أهل اللغو ليسوا بمرتبة التوقير ، فالإعراض عن لغوهم ربء عن التسفل معهم .