وتلك دلالة عقلية ، في حال أن هارون قد وعظهم ونبههم إلى ذلك إذ ذكرهم بأنه فتنة فتنهم بها السامري ، وأن ربهم هو الرحمن لا ما لا يملك لهم نفعا فضلا عن الرحمة ، وأمرهم بأن يتبعوا أمره ، وتلك دلالة سمعية .
وتأكيد الخبر بحرف التحقيق ولام القسم لتحقيق إبطال ما في كتاب اليهود من أن هارون هو الذي صنع لهم العجل ، وأنه لم ينكر عليهم عبادته . وغاية الأمر أنه كان يستهزىء بهم في نفسه ، وذلك إفك عظيم في كتابهم .
والمضاف إليه ( قبل ) محذوف دل عليه المقام ، أي من قبلل أن يرجع إليهم موسى وينكر عليهم .
وافتتاح خطابه ب { يا قوم تمهيد لمقام النصيحة .
ومعنى إنما فتنتم به } : ما هو إلا فتنة لكم وليس ربا ، وإن ربكم الرحمن الذي يرحمكم في سائر الأحوال ، فأجابوه بأنهم لا يزالون عاكفين على عبادته حتى يرجع موسى فيصرح لهم بأن ذلك العجل ليس هو ربهم .
ورتب هارون خطابه على حسب الترتيب الطبيعي لأنه ابتدأه بزجرهم عن الباطل وعن عبادة ما ليس برب ، ثم دعاهم إلى معرفة الرب الحق ، ثم دعاهم إلى اتباع الرسول إذ كان رسولا بينهم ، ثم دعاهم إلى العمل بالشرائع ، فما كان منهم إلا التصميم على استمرار عبادتهم العجل فأجابوا هارون جوابا جازما .
و ﴿ عليه ﴾ متعلق ب ﴿ عاكفين ﴾ قدم على متعلقه لتقوية الحكم ، أو أرادوا : لن نبرح نخصه بالعكوف لا نعكف على غيره .
والعكوف : الملازمة بقصد القربة والتعبد ، وكان عبدة الأصنام يلزمونها ويطوفون بها .