وقد كان المشركون يجادلون النبي قصدا لإفحامه ، وتمويها لتغليطه نبه الله على أسلوب مجادلة النبي إياهم استكمالا لآداب وسائل الدعوة كلها . فالضمير في وجادلهم } عائد إلى المشركين بقرينة المقام لظهور أن المسلمين لا يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم ولكن يتلقون منه تلقي المستفيد والمسترشد . وهذا موجب تغيير الأسلوب بالنسبة إلى المجادلة إذ لم يقل : والمجادلة الحسنة ، بل قال : ﴿ وجادلهم ﴾ ، وقال تعالى أيضا : { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ( سورة العنكبوت : 46 ) . |
ويندرج في التي هي أحسن رد تكذيبهم بكلام غير صريح في إبطال قولهم من الكلام الموجه ، مثل قوله تعالى وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ( سورة سبأ : 24 ) ، وقوله : وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون ( سورة الحج : 68 ) . |
والآية تقتضي أن القرآن مشتمل على هذه الطرق الثلاثة من أساليب الدعوة ، وأن الرسول إذا دعا الناس بغير القرآن من خطبه ومواعظه وإرشاده يسلك معهم هذه الطرق الثلاثة . وذلك كله بحسب ما يقتضيه المقام من معاني الكلام ومن أحوال المخاطبين من خاصة وعامة . |
وليس المقصود لزوم كون الكلام الواحد مشتملا على هذه الأحوال الثلاثة ؛ بل قد يكون الكلام حكمة مشتملا على غلظة ووعيد وخاليا عن المجادلة . وقد يكون مجادلة غير موعظة ، كقوله تعالى : ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض . |
وكقول النبي إنك لتأكل المرباع وهو حرام في دينك ، قاله لعدي بن حاتم وهو نصراني قبل إسلامه . |