تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

السامعين أن يسألوا كيف لم يقتد بهم من بقوا على الكفر فتقع جملة ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ بيانا لما استبهم على السائل . والتقدير : لو كانوا يعلمون ذلك لاقتدوا بهم ولكنهم لا يعلمون . فضمير ﴿ يعلمون ﴾ عائد إلى ﴿ الذين كفروا ﴾ ( سورة النحل : 39 ) . |

ويجوز أن يكون السؤال المثار هو : كيف يحزن المهاجرون على ما تركوه من ديارهم وأموالهم وأهليهم ، فيكون : المعنى لو كان المهاجرون يعلمون ما أعد لهم علم مشاهدة لما حزنوا على مفارقة ديارهم ولكانت هجرتهم عن شوق إلى ما يلاقونه بعد هجرتهم ، لأن تأثير العلم الحسي على المزاج الإنساني أقوى من العلم العقلي لعدم احتياج العلم الحسي إلى استعمال نظر واستدلال ، ولعدم اشتمال العلم العقلي على تفاصيل الكيفيات التي تحبها النفوس وترتمي إليها الشهوات ، كما أشار إليه قوله تعالى : ﴿ قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ( سورة البقرة : 260 ) . فليس المراد بقوله تعالى : لو كانوا يعلمون ﴾ لو كانوا يعتقدون ويؤمنون ، لأن ذلك حاصل لا يناسب موقع ﴿ لو ﴾ الامتناعية . |

فضمير ﴿ يعلمون ﴾ على هذا ( للذين هاجروا ) . وفي هذا الوجه تتناسق الضمائر . |

و ﴿ الذين صبروا ﴾ صفة ( للذين هاجروا ) . والصبر : تحمل المشاق . والتوكل : الاعتماد . |

وتقدم الصبر عند قوله تعالى : { واستعينوا بالصبر والصلاة أوائل سورة البقرة ( 45 ) . والتوكل عند قوله تعالى : فإذا عزمت فتوكل على الله في سورة آل عمران ( 159 ) . |

والتعبير في جانب الصبر بالمضي وفي جانب التوكل بالمضارع إيماء إلى أن صبرهم قد آذن بالانقضاء لانقضاء أسبابه ، وأن الله قد جعل لهم فرجا بالهجرة الواقعة والهجرة المترقبة . فهذا بشارة لهم . |

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ١٤ · الصفحة ١٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ١٤ · ص ١٥٩