| ومنهم من سلك مسلك النظر كأبي إسحاق الزجاج وأبي علي الفارسي ، وشغف كثير بنقل القصص عن الإسرائيليات ، فكثرت في كتبهم الموضوعات ، إلى أن جاء في عصر واحد عالمان جليلان أحدهما بالمشرق ، وهو العلامة أبو القاسم محمود الزمخشري ، صاحب الكشاف ، والآخر بالمغرب بالأندلس وهو الشيخ عبد الحق بن عطية ، فألف تفسيره المسمى ب المحرر الوجيز . كلاهما يغوص على معاني الآيات ، ويأتي بشواهدها من كلام العرب ويذكر كلام المفسرين إلا أن منحي البلاغة والعربية بالزمخشري أخص ، ومنحي الشريعة على ابن عطية أغلب ، وكلاهما عضادتا الباب ، ومرجع من بعدهما من أولي الألباب .
وقد جرت عادة المفسرين بالخوض في بيان معنى التأويل ، وهل هو مساو للتفسير أو أخص منه أو مباين . وجماع القول في ذلك أن من العلماء من جعلهما متساويين ، وإلى ذلك ذهب ثعلب وابن الأعرابي وأبو عبيدة ، وهو ظاهر كلام الراغب ، ومنهم من جعل التفسير للمعنى الظاهر والتأويل للمتشابه ، ومنهم من قال : التأويل صرف اللفظ عن ظاهر معناه إلى معنى آخر محتمل لدليل فيكون هنا بالمعنى الأصولي ، فإذا فسر قوله تعالى ) يخرج الحي من الميت ( بإخراج الطير من البيضة ، فهو التفسير ، أو بإخراج المسلم من الكافر فهو التأويل ، وهنالك أقوال أخر لا عبرة بها ، وهذه كلها اصطلاحات لا مشاحة فيها إلا أن اللغة والآثار تشهد للقول الأول ، لأن التأويل مصدر أوله إذا أرجعه إلى الغاية المقصودة ، والغاية المقصودة من اللفظ هو معناه وما أراده منه المتكلم به من المعاني ، فساوى التفسير ، على أنه لا يطلق إلا على ما فيه تفصيل معنى خفي معقول . قال الأعشى : على أنها كانت تأول حبها تأول ربعي السقاب فأصحبا أي تبيين تفسير حبها أنه كان صغيرا في قلبه ، فلم يزل يشب حتى صار كبيرا كهذا السقب ، أي ولد الناقة ، الذي هو من السقاب الربيعية لم يزل يشب حتى كبر وصار له ولد يصحبه قاله أبو عبيدة ، وقد قال الله تعالى ) هل ينظرون إلا تأويله ( أي ينتظرون إلا بيانه الذي هو المراد منه ، وقال صلى الله عليه وسلم في دعائه لأبن عباس اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ، أي فهم معاني القرآن ، وفي حديث عائشة رضي الله عنها