من أجل هذا كلِّه ، وكثير غيره ، ربط الله عباداتنا بالقمر لا بالشمس ، ولو شاء الأخيرة لفعل ، ولو أراد لنا الدقة المتناهية في التحديد لما أعجز الله جلَّ وعلا ذلك ، ولكن جعَلَ الأمرَ في متناول الجميع ، وفي مسوؤلية الجميع ، فإنَّ المشاركة في الإعداد تعطي لذة للآكل لا يجدها في الطبق الجاهز… ولله الحكمة البالغة .
والحمد لله ربِّ العالمين .
يقول تعالى :﴿ أُحلَّ لكم ليلةَ الصيامِ الرفثُ إلى نسائكم هنَّ لباس لكم وأنتم لباس لهن ﴾ البقرة / 187.
ويقول تعالى : ﴿ ألم ترَ إلى ربك كيف مدَّ الظل ولو شاء لجعله ساكناً ثم جعلنا الشمس عليه دليلا * ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً * وهو الذي جعل لكم الليل لباساً والنوم سباتاً و جعل النهار نشوراً ﴾ الفرقان / 45 إلى 47 .
فمن الأقوام من اتخذ الشمس لتوقيت الأشهر والسنين واتخذت العرب - وأقرها الاسلام - القمر لتوقيت ذلك ، والشمس لتحديد أجزاء النهار، ودخول الليل ، وفَصَلْنا ذلك في الحلقة السابقة وعلى هذا فالتوقيت القمري يبدأ مع رؤية الهلال ، و رؤيته المعتبرة المعتمد بها هي ما كانت بعيد الغروب ، ولذا كان بدأ اليوم القمري مع غروب الشمس ، لا من منتصف الليل ، وينتهي بغروبها في اليوم التالي ، فيتم بذلك يوم وليلة ، وبهذا الاعتبار يسبق الليل في القدوم المتوالي النهار عند من جعل القمر ميقاته ، و تسمى أول ليلة من الشهر [ ليلة المُستَّهل ] … ومنه جاء قولهم : مستهل هذه القصيدة كذا ، وأهلّ فلانٌ بطلعته .
يقول تعالى : ﴿ وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون * والشمس تجري لِمستقرٍ لها ذلك تقدير العزيز العليم * والقمر قدَّرناه منازلَ حتى عاد كالعرجون القديم * لا الشمس ينبغي لها أن تُدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكلٌّ في فلك يسبحون ﴾ يس/ 37 إلى 40 .