تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعلى ضوء هذه الحقائق والتيارات نستطيع أن نحدد الوضع، الذي لم يكن بد من أن نجد فيه ولي الدين يكن العثماني بمولده، والساخط على الخلافة العثمانية، وحكمها الظالم الفاسد، بطبعه ومزاجه وثقافته وظروف حياته، ثم موقفه من الإنجليز، وموقف الإنجليز منه، بعد أن تيقنوا من أنه من رجال تركيا الفتاة، الذين يناهضون عبد الحميد الثاني وخلافته الفاسدة المستبدة، بل وموقفه من حركة الإصلاح في مصر وغيرها من البلاد الإسلامية، وفضلا عن نزعته العنيفة نحو التحرر الفكري، والتخلص من سيطرة الكهنوت الديني، بل والتزمت الإسلامي كله، واتجاهه بكل قوته نحو النظم المدنية والحضارة الحديثة.

وهكذا تآمرت الظروف والأحداث لكي تضع ولي الدين يكن في وضع لم يكن يرضي التيار الوطني المسيطر، أو الآخذ في السيطرة عندئذ، وهو تيار مصطفى كامل وأنصاره من رجال الحزب الوطني، الذين كانوا يحاربون الإنجليز حربا لا هوادة فيها، ويتمسكون بحكومة الخلافة، ويستمدون منها العون ضد الاستعمار الإنجليزي، ويحرصون على الروح الدينية والوحدة الإسلامية. وكان هذا الوضع من الأسباب الرئيسية التي أصابت ولي الدين يكن وأدبه بالخمول حتى يومنا هذا، بالرغم من قوة نزعته التحريرية ونبلها، وإفناء حياته في سبيل مثل الحرية والتقدم التي آمن بها، وتعصب لها، ودفع في سبيلها أبهظ الأثمان؛ من عذاب النفي، والفقر، والمرض، وإنهاك الأعصاب.

والواقع أن ولي الدين يكن قد اتهم بمناصرة الإنجليز، والإشادة بعدلهم في مصر، وتعميرهم لها؛ وذلك لأنه قد وجد فيهم حماة من الظلم التركي، حتى كانت مصر تعتبر عندئذ موئلا للأحرار من الأتراك والعرب الخاضعين للحكومة التركية المستبدة، وكان ولي الدين يجاهر بهذه الآراء، وينشرها في الصحف في مقالات أو قصائد، مثل المقال الذي نشره في جريدة المقطم، وأعاد نشره في كتابه «الصحائف السود» (ص45-51) تحت عنوان «المحتلون يخرجون من مصر» وفيه يقص حلما لموكب خروج الإنجليز من مصر، وما يترتب على ذلك من آثار مدمرة، ويختتم المقال أو الحلم برؤيته لتمثال إبراهيم باشا، وهو ينزل إلى الميدان ليمنع جيش الاحتلال من الخروج، قائلا: «تريدون اليوم أن تخرجوا من مصر؛ ليصبح عاليها سافلها، وليجري هذا النيل أحمر قانيا، كلا ثم كلا، لأصيحن صيحة تخرق حجب الأزل، وتنفذ إلى من ولجوا غابته، ولأبعثن لكم من تحت المقابر أجسادا تسد دونكم طرق الرحيل، أما والهرمين والنيل ليدخلن أهل الطيش غدا على العذارى في خدورهن، وليأخذون بغدائرهن، وليقومون بعد زماعكم من الشر أضعاف ما أتى بمقامكم من الخير، ارجعوا إلى ثكناتكم مأجورين غير مأزورين، إنما يأنس إليكم أهل الوقار وأنصار الفضل.» وهو يعترف بجميل إنجلترا على الأحرار من أعضاء تركيا الفتاة في رثائه لإدوارد السابع سنة 1910، فيقول:

أبا الأحرار لا ينساك حر

شبابهمو يجلك والكهول

رفعت بناءهم وجريت معهم

كذاك الليث يتبعه الشبول

تناديك الشعوب بكل أرض

فليتك سامع ماذا تقول

تناجي منك حاميها المرجى

وصولتها إذا قامت تصول

ومع ذلك فالظاهر أن ولي الدين يكن لم يكن يناصر الإنجليز؛ إلا لأنهم يحمونه من عسف الأتراك، ولم يكن كشاعر آخر هو نسيم الذي كان يمدحهم ويذود عنهم طمعا في مغانم الحياة؛ وذلك لأن ولي الدين يكن كان رجلا أبيا عفيف النفس ذا كبرياء، وقد خاصم السلطان عبد الحميد الثاني خصومة عنيفة لا هوادة فيها ولا رفق، وتحمل في شجاعة الذل والفقر والشقاء طوال حياته، وبخاصة أيام نفيه في سيواس على نحو ما نطالع في بعض فصول كتابه «المعلوم والمجهول».

والظاهر أن بغض ولي الدين لعبد الحميد كان من ذلك النوع العنيف الجامح الذي لا تهدأ له ثائرة، والذي قد يغشي البصيرة، ويسوق إلى التماس كافة السبل لإرضاء ذلك البغض، حتى لنراه يستمر في بغضه وهياجه ضد عبد الحميد بعد عزله، كما نراه يغضب من شوقي؛ لأنه رثى لحال عبد الحميد، وأبدى أسفه لعزله عن الخلافة في قصيدته التي مطلعها:

محاضرات عن ولي الدين يكن · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن ولي الدين يكنص ٤