سل يلدزا ذات القصور
هل جاءها نبأ البدور
ثم يقول:
شيخ الملوك وإن تضع
ضع في الفؤاد وفي الضمير
فاستغفر المولى له
والله يعفو عن كثير
وتراه عند مصابه
أولى بباك أو عذير
ونصونه ونجله
بين الشماتة والنكير
عبد الحميد! حساب مث
لك في يد الملك الغفور
يغضب ولي الدين يكن من شوقي بسبب هذه القصيدة، ويرد عليه قائلا:
هاجتك خالية القصور
وشجتك آفلة البدور
وذكرت سكان الحمى
ونسيت سكان القبور
وبكيت بالدمع الغزي
ر لباعث الدمع الغزير
ولواهب المال الكثي
ر وناهب المال الكثير
حامي الثغور الباسما
ت مضيع آهلة الثغور
إن كان أخلى يلدزا
مخلى الخورنق والسدير
أو فاستسرت من سما
ها أنجم بعد الظهور
فلتأهلن من بعدها
آلاف أطلال ودور
وبعد أن عدد مآسي عبد الحميد وظلمه وفجوره، انتهى إلى التعريض بشوقي ومن نحا نحوه من الشعراء، فقال:
لما أديل من السرير
بكاه عباد السرير
نذروا النذور لعوده
هيهات يرجع بالنذور
أسفوا عليه وإنما
أسفوا على المال الدرير
طلبوا له عفو الغفو
ر وشذ عن عفو الغفور
قلص ظلالك راحلا
ودع البرية في الهجير
وفي الحق أن المقارنة بين قصيدة شوقي «عبرة الدهر» التي قالها في سنة 1909 في خلع عبد الحميد الثاني، وقصيدة ولي الدين يكن التي سماها أيضا «عبرة الدهر»، وقالها مناقضة لقصيدة شوقي السابقة، وجمعتا جنبا إلى جنب في ديوان ولي الدين يكن (ص26-32)، نقول: إن المقارنة بين هاتين القصيدتين يمكن أن نخلص منها إلى تحديد منهج كل من الشاعرين في الحياة، ومزاج كل منهما الشخصي، مما يعيننا على أن نفهم كيف استطاع شوقي بلباقته ومرونته أن يكسب أكبر عدد من الناس حتى يذيع صيته، ويشغل الدنيا بذكره، بينما نرى ولي الدين الصلب العنيد يستكثر من خصومه، ولا يداري أو يواري أو يهادن فيما يراه حقا وعدلا، في حين نرى شوقي يتجنب المزالق، ويحاول أن يرضي الجميع، فهو يرثي لعبد الحميد، ويسهب في وصف ما كان فيه من نعيم، ويتحدث عما يظن أن «حريم» عبد الحميد وجواريه الحسان سيجدنه من حزن ومرارة بعد عزل سيدهن، ويبدي أسفه؛ لأن عبد الحميد المحنك الخبير لم يستطع أن يتدارك الأمر بحكمته، فيحتفظ بعرشه وقصوره وجواريه، قائلا له:
ماذا دهاك من الأمو
ر وكنت داهية الأمور
أين الروية والأنا
ة وحكمة الشيخ الخبير
إن القضاء إذا رمى
دك القواعد من ثبير
ثم ينتقل في مرونة نخشى أن تكون نفاقا ومداراة إلى تمجيد الثائرين الأحرار، فيقول:
دخلوا السرير عليك يح
تكمون في رب السرير
أعظم بهم من آسري
ن وبالخليفة من أسير
أسد هصور أنشب ال
أظفار في أسد هصور
بل ويود أن لو احتفظ عبد الحميد بالدستور، ولم يتنكر له، ويشيد بذلك الدستور وبجدواه، ثم ينتقل إلى مدح الجيش الثائر وقادته أنور ونيازي وشوكت، قائلا:
يا أيها الجيش الذي
لا بالدعي ولا الفخور
يخفي فإن ريع الحمى
لفت البرية بالظهور
كالليث يسرف في الفعا
ل وليس يسرف في الزئير
عند المهيمن ما جرى
في الحق من دمك الطهور
يتلو الزمان صحيفة
غراء مذهبة السطور
في مدح «أنورك» الجري
وفي «نيازيك» الجسور «يا شوكت» الإسلام بل
يا فاتح البلد العسير
وأخذت يلديز عنوة
وملكت عنقاء الثغور
بل ويهنئ الخليفة الجديد ويبايعه، وما كان لشاعر القصور شوقي أن يغفل عن مثل هذه التهنئة، فيقول:
المؤمنون بمصر يهد
ون السلام إلى الأمير
ويبايعونك يا محم
د في الضمائر والصدور ... إلخ (ص49).
وكل ذلك لا يروق رجلا عنيفا صارما لا يقول الشعر؛ لأن من واجبه أن يقوله، وأن يراعي اللياقة، ويرضي كافة الجهات، بل يقول الشعر لينفس عن مكنون صدره، ولا يضمن شعره إلا الحق الذي يؤمن به، والقول الذي يشفي نفسه مما بها، ولو أغضب من أغضب، وأرضى من أرضى.
وبالرغم من بغض ولي الدين لعبد الحميد، ولكل حاكم تركي مستبد ظالم، فإنه كان يتعصب للعثمانيين كما يتعصب للعرب، حتى لنراه يثور؛ إذ يطالع في جريدة المقطم مقالات لكاتب اسمه عزت الجندي، وفيه يحمل على الأتراك ونكبتهم للبلاد العربية، فيرد عليه في مقال ينشره في المقطم تحت عنوان «الشقاق»، يبدؤه بالبيتين العربيين القديمين: