وكانت هذه الوحدة في المصالح من العوامل القوية التي قربت بينهم وبين الإنجليز، وذلك بينما كان الحزب الوطني يرى أن تبعية مصر لتركيا لا تعتبر تبعية استعمارية، وبخاصة بعد أن ضعفت تلك التبعية، وأصبحت أمرا شكليا، لا تعدو نتائجه الفعلية الإتاوة التي كانت تدفعها مصر لتركيا سنويا، ثم بعض المظاهر المعنوية والروحية؛ كالمناداة بالخليفة، والدعاء له في خطب الجمعة بالمساجد.
وفطن الإنجليز بالفعل إلى ضرورة تحطيم فكرة الجامعة العثمانية، والوحدة الإسلامية، لكي تخلص لهم مصر، وغيرها من البلاد العربية، فأخذوا يناصرون المنادين بمبدأ مصر للمصريين، كما أخذوا يناصرون الساخطين على فساد الخلافة وانحلالها وطغيان حكامها، حتى لنراهم يوحون بفكرة انتقال الخلافة إلى العرب، وأولويتهم بها، بحكم أن الدين قد نزل على نبي منهم، كما نزل القرآن بلسانهم العربي.
ولقد ناور معتمدو بريطانيا في مصر - وبخاصة اللورد كرومر - مناورات عميقة مؤثرة؛ لتغليب سياستهم، وجمع الأنصار حولها، فنراهم مثلا يوحون ابتداء من سنة 1892 بإهمال قانون المطبوعات القاسي الذي كان قد صدر في سنة 1881 إبان الثورة العرابية، ويطلقون للصحف حرية مطلقة قلما تشهد مثلها، وظلت هذه الحرية على هذا الإطلاق حتى تغيرت الظروف، فبعثوا من جديد هذا القانون العاتي في سنة 1909، وكان بعثه من ضمن الأسباب التي أدت إلى اغتيال بطرس باشا غالي، وكانت السياسة الإنجليزية ترمي من وراء إباحة حرية الصحف إباحة مطلقة إلى هدفين؛ أولهما: تشتيت الرأي العام الوطني في فرق وأحزاب، يشغلها تطاحنها وسبابها وعنف خصوماتها عن التنبه إلى الاستعمار الإنجليزي، والتكتل لمحاربته، والتخلص منه. وثانيهما: شغل الرأي العام بمشاكل الإصلاح العاجلة وغير العاجلة، وصرفه عن المشكلة الكبرى، وهي مشكلة الاستعمار الإنجليزي.
والواقع أن الإنجليز قد استطاعوا بهذه السياسة الخبيثة وأمثالها أن يجتذبوا إليهم عددا من الوطنيين المستنيرين، الذين طربوا لهذه الحرية، وآثروها على الاستبداد التركي، حتى أصبحت مصر عندئذ موئلا لكثير من الترك والعرب والأرمن وغيرهم، ممن نزحوا من بلادهم التي كانت تركيا تسيطر عليها سيطرة مطلقة، وتنشر فيها أنواعا من الظلم والإرهاب البالغة القسوة.
والواقع أيضا أن الإنجليز قد استطاعوا أن يوهموا نفرا من المصريين المستنيرين بأنهم سينقلون إلى مصر الحضارة الأوروبية، ويساعدون على إصلاح مرافق البلاد، وتعميم الخدمات الشعبية، ويستبدلون بظلام الأتراك نور الحضارة الغربية، بل واستطاعوا أن يقنعوا عددا من المفكرين بأن تعصب رجال الدين في الإسلام وجمودهم وتخلفهم عن مجاراة روح الحضارة، من بين الأسباب الأساسية في تخلف مصر، وغيرها من البلاد الإسلامية، وعجزها عن مجاراة الحضارة الحديثة.
واستفحلت هذه الدعاية حتى رأينا عددا من المفكرين يدعون إلى فصل الدين عن الدولة، وقصر الدين على تنظيم العلاقة بين الإنسان وربه، بل وتطرف البعض فأخذ يشك في صلاحية الدين الإسلامي نفسه لأن يكون دين حضارة.
ولم تقتصر هذه التيارات المتضاربة على محيط المصريين الأصلاء، بل امتدت إلى عدد كبير من المهاجرين، واللاجئين السياسيين الذين وفدوا إلى مصر من تركيا، أو من البلاد السورية اللبنانية؛ فرارا من استبداد الأتراك، أو مما ظنوه تعصبا دينيا، واحتضن الإنجليز كل هذه العناصر الدخيلة، واستخدموها في تغليب سياستهم، ونشرها بين طبقات الشعب العميقة، وكان من بين هؤلاء النازحين أصحاب المقطم والمقتطف بنوع خاص، إذ نراهم يناصرون الاستعمار البريطاني ورجاله في مصر مناصرة علنية صريحة، بل يكونون حزبا وهميا سموه بالحزب الوطني الجديد، لمناهضة حزب مصطفى كامل، وسياسته الوطنية المتطرفة، واتجاهه العثماني الديني.