ثم إن كلا من الشاعرين قد كان مقلا نسبيا في إنتاجه الشعري؛ وذلك لأن إسماعيل صبري كان مشغولا بالحياة ونعيمها الميسر عن الشعر، كما أن ولي الدين يكن قد كان مشغولا بمعاركه السياسية والاجتماعية عن الشعر كفن جميل يقصد لذاته، وكل ما كان يحرص عليه - كما قال في مقدمات كتبه، وفي شعره أحيانا - هو أن يأتي يوم ينتفع فيه مواطنوه من عرب وأتراك بآرائه ونزعاته الإصلاحية، وقد عبر عن هذا الأمل في بيتين حرص على أن يدونهما تحت صورته التي يفتتح بها كتبه وديوانه، وهما:
ما كان أهنأني وأسعدني
لو كان ينفع معشري قلمي
أنا لي فؤاد لا أنزهه
لكن يراقب ما يقول فمي
وهو يردد نفس المعاني في نثره مثل قوله في تقديم كتابه المعلوم والمجهول: «بهذا الكتاب أشياء، وقد فاتته أشياء، وفي أحوال العالم ما يمنع الإفصاح بكل ما يدور في الخلد، على أنني لا أحب أن أخرج من هذه الدنيا قبل إظهار ما عندي من الخوافي، فإذا وفقني الله إلى أمنيتي تلك كنت سعيدا ... حين تذهب دول الظلم، ويذوق الناس نعيم العدل، يقرءون مثل كتابي هذا بارتياح، وإذا وهب الله أقوامنا من الترقي أكثر مما نالوه، وبقيت حيا بينهم، كلمتهم بما يخالج صدري تصريحا لا تلميحا.»
| ولي الدين يكن
لا شك أن ولي الدين يكن يعتبر من الظواهر الفريدة بين رجال الأدب والفكر؛ وذلك لأن هذا التركي العنيد يعتبر مثلا قويا في صلابة الرأي، وجرأة الفكر، وانفعال العصب في كل أو معظم ما كتب من شعر ونثر.
ولا شك أيضا في أن وضعه الخاص، وظروف عصره، وتضارب التيارات السياسية والاجتماعية في أيامه، لا شك أن كل هذا قد أثر تأثيرا بليغا على مكانة ولي الدين؛ ككاتب، وشاعر، وعلى ما خلف من شعر ونثر، وعناية الناس بدراسة تراثه الأدبي.
وذلك لأن ولي الدين ولد تركيا، وهو بحكم هذا المولد لم يكن يستطيع إلا أن يتعصب للجنس العثماني، وأن يغار على مجده وسلطانه، ولكنه من جهة أخرى كان ساخطا على الفساد الذي انتشر في قصر الخلافة، وفي حكم الخلفاء العثمانيين، وقد أخذ يهاجم هذا الفساد والظلم والطغيان هجوما عنيفا لا هوادة فيه، وانضم إلى جماعة تركيا الفتاة، وحزب الإصلاح والترقي، حتى نفاه السلطان عبد الحميد إلى مدينة سيواس حيث ظل في منفاه من سنة 1902 إلى سنة 1909، ولم يطلق سراحه إلا بعد أن نجحت الثورة ضد الخليفة، وأرغمته على إصدار الدستور، وتقرير الحكم النيابي سنة 1908، ومنذ أن أطلق سراحه قدم إلى مصر، وظل فيها حتى توفي.
وكانت مصر في ذلك الحين تعج بالتيارات السياسية، والدينية، والعنصرية المختلفة المتضاربة.
1
ففيها المنادون بالجامعة العثمانية، المتحمسون للخلافة، والمتمسكون بأهدابها؛ لكي يستعينوا بها على محاربة الاستعمار الإنجليزي، وكان هذا التيار هو الغالب عندئذ، حتى لقد اختلط بفضل مصطفى كامل وزملائه في الحزب الوطني بمعنى الوطنية المصرية العنيفة المتطرفة، بينما كان هناك نفر آخر يبغضون حكم الأتراك، وظلمهم واستبدادهم، ويرون من الوطنية الواعية أن يوفروا الجهد أولا على تخليص مصر من السيطرة العثمانية، حتى ولو أدى بهم ذلك إلى مهادنة الإنجليز والاستعانة بهم ضد الأتراك، وقد استغل هذا النفر شعور العداء الذي ولدته الثورة العرابية ضد الأتراك والجراكسة، وغطرستهم، واحتقارهم للفلاحين، واحتكارهم لمناصب البلاد الكبرى، وخيراتها الوفيرة؛ ولذلك نادى هذا الفريق بمبدأ «مصر للمصريين» حتى يقضوا على الدعوة القائلة بأن مصر للعثمانيين، وهذا النفر هم الذين كونوا حزب الأمة، وإن يكن هذا الحزب قد ضم الكثيرين من وجوه البلاد وباشواتها، وأصحاب الإقطاع فيها، أي أولئك الذين كانوا يسمون أنفسهم بأصحاب المصالح الحقيقية، وكانت هذه المصالح تتفق وترتبط بمصالح الاستعمار الإنجليزي الاقتصادية.