تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Homo Homini Lopus

أي: «الإنسان على الإنسان ذئب.» بينما يقول ولي الدين (ص53):

أفسد الظلم أنفس الناس حتى

لو رأى الناس عادلا لارتابوا

قد أجيعوا فالبعض يأكل بعضا

غنم بعضهم وبعض ذئاب

وشعره السياسي ليس موضوعيا كله، بل فيه الشعر الغنائي الذاتي، مثل حنينه إلى مصر وفروق، وتألمه من المنفى وبخاصة في قصيدته التي سماها: «في المنفى، زفرة من زفراتي» (ص55) حيث يقول:

فؤاد دأبه الذكر

وعين ملؤها عبر

ونفس في شبيبتها

وجسم مسه كبر

وآمال مضيعة

ووقت كله هدر

وعيش عذبه مضن

وعمر صفوه كدر

أما يا ليل من صبح

لمن سهروا فينتظر

جفون الناس هاجعة

وجفني ضافه السهر •••

أرى سيواس تغمدني

كأني صارم ذكر

صدئت بها وأحسبني

سأصدأ ما جرى العمر

ثم يختتمها بروح معنوية عالية حيث يقول:

رويدا إنها دول

تدول وبعدها أخر

يظل الحق منهزما

زمانا ثم ينتصر

سيوف الله إن سلت

فلا تبقي ولا تذر

هذا هو الشعر السياسي الذي تميز فيه ولي الدين يكن؛ لأنه كان مهموما بالسياسة وشئون الإصلاح، وأما فيما عدا الشعر السياسي فإننا لا نرى لولي الدين أصالة خاصة، ففي رثائه مثلا قد نحس بعاطفة صادقة قوية في رثائه لابنه، ولكنه لا يخرج عن القوالب المألوفة في الرثاء، مثل قوله:

الله في لوعة أجرعها

يعرفها في الأنام من ثكلوا

يا كبدا من مناطها انفصلت

ما خلت أن الأكباد تنفصل

كما قد نجد انفعالا وعنادا في رثائه لبطرس باشا غالي في قصيدته التي اتخذ لها عنوانا «جاهدت في إعلاء مصرك جاهدا»، إلا أننا بوجه عام لا نحس بأصالة لولي الدين إلا عندما ينفعل للسياسة أو لإحساس شخصي.

وهو إذا قد كان قد أعجب بالسلطان حسين كامل، وأخلص له الود ومدحه عن اقتناع وإيمان، إلا أننا أيضا نراه يودع الجنرال مكسويل ويرثي إدورد ملك إنجلترا!

وإذا كان التاريخ يحدثنا عن علاقة غرام بين ولي الدين «ومي» بل ويحتفظ لنا الديوان بمقطوعة من ستة أبيات اتخذ لها الشاعر عنوانا «فيا رب هب لي مواجع مي» (ص103)، فإننا بالرغم من ذلك نجده في غزله يسلك الدروب التقليدية، بل ويتسكع كما تسكع غيره في معارضة «أليل الصب متى غده».

وكأن الأمر أمر قدرة ومهارة على قرض الشعر، لا تعبير عن تجربة إنسانية خاصة وابتكار للصور الجمالية.

ولو أننا تركنا فنون شعره وأغراضه لننظر في ديباجته وأسلوبه للاحظنا أن أسلوبه مرآة صادقة لنفسه، فهو أسلوب منفعل سريع متلاحق الإيقاع، يتميز بالقوة والانفعال أكثر مما يتميز بالصيغة الفنية، أو التصوير البياني، بل لعل التصوير البياني أوضح في نثره منه في شعره. •••

والخلاصة أن ولي الدين يكن يتميز خاصة بأنه أديب وشاعر سياسي، ملتزم منفعل مجدد، وأنه إذا كانت أفكاره واتجاهاته لم ترض التيار الوطني الغالب، إلا أنه كان بلا ريب رجلا مخلصا لرأيه، مخلصا لنفسه، كما كان من محبي الحرية بل من عشاقها، ذوي النفوس القوية التي لا يرهبها ظلم، ولا تثنيها تضحية في الدفاع عن الحرية السياسية، والحرية الفكرية، وعن قضايا التقدم الاجتماعي، وإن استهدف بسبب ذلك إلى كثير من العداوات والاضطهادات.

| ملحق

بعد إلقاء هذه المحاضرات ظهر في بيروت ضمن منشورات المكتبة العصرية كتاب جديد لولي الدين يكن بعنوان «عفو الخاطر»، وقد نشره الأستاذ أمين نخلة عن نسخة كان قد نسخها عن الأصل المكتوب بخط المؤلف، وكان هذا الأصل مودعا عند الأستاذ فؤاد مغبغب ناشر كتاب التجاريب لولي الدين، وقد استعاره منه الأستاذ أنطون الجميل قبل وفاته بقليل لينسخه، وتوفي دون أن يرده، فلم يعثر عليه بعد ذلك. «وعفو الخاطر» يضم طائفة من القطع النثرية والشعرية التي لم يتضمنها الديوان، فيما عدا مقطوعة واحدة مكررة وهي الخاصة «بالكلب جوجو» ص49 من «عفو الخاطر» وص119 من الديوان.

والطريف في هذا الكتاب الجديد أنه يغاير مغايرة تامة كافة مؤلفاته الأخرى؛ وذلك لأنه يعتبر من الأدب الخالص، أو ما يمكن أن يسمى بالفن للفن، فلا علاقة له بالسياسة أو الاجتماع، ومن ثم لا محل فيه للأدب الملتزم، وإنما هو قطع ومقطوعات نثرية وشعرية منمقة قصد منها إلى الجمال الأدبي وطلاوة التصوير وأناقة الأسلوب، وهي وإن سميت «بعفو الخاطر» إلا أنها تعتبر في الواقع من قبيل الأدب المنمق.

محاضرات عن ولي الدين يكن · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن ولي الدين يكنص ٢٣