تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سيان في حبه ظلمي وإنصافي

بل ونراه في معرض الغزل يعارض الحصري القيرواني، فيقول:

الحسن مكانك معبده

واللحظ فؤادي مغمده ... إلخ.

وذلك بينما لا نستطيع أن نسمي قصيدته «عبرة الدهر» معارضة لقصيدة شوقي التي تحمل نفس الاسم، وإن اتفقت معها في الوزن والقافية، بل هي مناقضة يرد فيها على شوقي - كما رأينا - ردا عنيفا.

وكذلك الأمر في كافة شعره السياسي الذي يكون الجزء الأكبر من ديوانه، بل والذي يعطي الديوان قيمته الأساسية، وكله شعر مباشر ينبعث عن انفعال فكري حار، وإيمان عقلي متين، ودعوة مخلصة إلى ما يتضمن من توجيه.

فهو يخاطب الوطن بقوله (ص19):

صحا كل شعب فاسترد حقوقه

فيا ليت يصحو شعبك المتناوم

هو الشعب أفتى دهره وهو خادم

وليس له فيمن تولوه خادم

يقلب من عهد لعهد على الأذى

إذا زال عنه غاشم جد غاشم

وهو يعالج في شعره السياسي كافة الموضوعات التي عالجها في نثره من دعوة إلى النهضة والإصلاح إلى سخط على الظلم والظالمين، وثورة على العصر الحميدي ورجاله الذين يسميهم «بغالا» في إحدى مقطوعاته، حيث يقول في ص42:

كفى حزنا إن الرجال كثيرة

وليس لنا فيما نراه رجال

نحكم قوما لا يبالون قائلا

وإن قام كل العالمين فقالوا

إذا ارتقبوا يوما فذلك منصب

أو اطلبوا شيئا فذلك مال

بغال تسوس الأسد شر سياسة

وما ساس أسدا قبل ذاك بغال

قضيتم وعشنا بعدكم مر عيشة

تعالوا انظرونا يا جدود تعالوا

وهو قد يترك الأسلوب الخطابي المباشر أحيانا؛ ليأخذ في أسلوب القصص السريع الخاطف، فيصل بفضله إلى أبعد مما يصل إليه بأسلوبه الخطابي من ناحية التأثير والإثارة، ولعل من خير أمثلة هذا المنحى مقطوعة صغيرة، لا تتجاوز العشرة أبيات، ومع ذلك تهز النفس هزا عنيفا، وقد سماها: «خليج البسفور في إحدى ليالي الشتاء»، وقال فيها (ص60):

في ليلة ليس بها كوكب

كأنما مشرقها مغرب

يمسي سوادا كل ما بينها

ففوقها وتحتها غيهب

لا يدرك الفكر بها مطلبا

فكل ما يطلبه يهرب

جاءوا بمظلوم إلى ظالم

قالوا له هذا هو المذنب

بكى وفي الدار بكوا مثله

فكل من في داره ينحب

وقد رأينا حوله صبية

تندب حين أمهم تندب

قال اجعلوه مثل أترابه

من كان من مذهبه يذهب •••

وأقبل الصبح على أيم

وصبية ليس لديهم أب

يا بحر لو تنطق أخبرتنا

ما قال من غيبت إذ غيبوا

فهذه المقطوعة تروي قصة أحد أولئك المظلومين، الذين كان عبد الحميد يأمر بالقبض عليهم وإلقائهم في مياه البسفور أثناء الليل، وإذا كان قد أوجز القصص واستعان بالإشارة بدلا من التصريح، والانتقال المفاجئ بدلا من التسلسل الرتيب، فإنه بذلك لم يضعف من التأثير، بل لعله زاده حدة.

وهو في شعره يعبر أيضا عن مشاعره الخاصة إزاء الأحداث التي تأثر بها أو جاهد في سبيلها، مثل اغتباطه بسقوط عبد الحميد، وبدء عصر الشورى والحرية، ومثل حنينه إلى مصر وإلى فروق أثناء نفيه في سيواس، وتألمه من ذلك المنفى. وإذا كان شوقي قد قال عن مصر أثناء نفيه بإسبانيا بيته الخالد:

وطني لو شغلت بالخلد عنه

نازعتني إليه في الخلد نفسي

فإن ولي الدين قد خاطب مصر هو الآخر ببيت رائع، هو قوله (ص34):

وإذا الإله قضى بوصلك بعد ذا

فلأمسحن وجهي ببعض ثراك

وبالرغم من صلابة ولي الدين وعناده وتعصبه لآرائه السياسية والاجتماعية، وإيمانه بتلك الآراء، إلا أننا لا نعدم أن نجد في شعره السياسي أبياتا تكاد تنطق باليأس والتشاؤم، وذلك مثل قوله في قصيدة «ويل للناس من الناس» (ص51):

وداع جاء يدعوني لنصح

وقد وهت النهى ووهى البنان

تعبت من الكلام فليس يجدي

لبث النصح نظم أو بيان

وكانت ضلة ونزعت عنها

فها أنا لا أدين ولا أدان

وما أسفي على عهد تقضى

ولكن صنت عهدا لا يصان

ظللت أمينه دهرا طويلا

وكنت أظن أني لا أخان

بل ونلمح في نفس الشعر تشاؤما فلسفيا في نظرته إلى الإنسان في ذاته نظرة تذكرنا بفلاسفة الغرب المتشائمين، بل وبالجملة اللاتينية الشهيرة التي عبر بها الفيلسوف الإنجليزي هوبز عن ذلك المذهب وهي

محاضرات عن ولي الدين يكن · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن ولي الدين يكنص ٢٢