وقد ضم هذا الديوان المقطوعات أو القصائد التي استهل بها ولي الدين الكثير من مقالاته المنشورة في كتبه النثرية، ويقول أخوه في تصديره للديوان: «إن ولي الدين قد نطق بالشعر قبل أن يبلغ العشرين، وكان له شعر كثير نشر في الصحف، أحرقه برمته منذ ثلاثين سنة، أما هذا الشعر (أي: الديوان) فإنه مما قاله بعد ذلك، وقد كان محا منه بعض القصائد وفقد بعضها، وأراد قبل وفاته بعامين أن يطبع ديوانه، فنقل من ما يربو على سبعمائة بيت، ثم حال مرضه دون استمراره.» ثم يقص أخوه كيف استطاع أن يجمع ما نشره في الديوان من مخلفات أخيه الشعرية.
| ولي الدين الشاعر
لقد فطن النقاد في سهولة إلى مكان ولي الدين يكن في تيارات الشعر العربي المعاصر، ووضعوه بين جماعة المجددين، فقال عنه أنطون الجميل: «وقد نقل حريته هذه واستقلاله في حياته إلى أسلوبه الشعري، ففي الشعر كما في السياسة حزبان: حزب استقلالي، وحزب استعبادي، وكان ولي الدين في طليعة الحزب الأول؛ لأنه كان من القائلين بتحرير المخيلة والشعور من نير العبودية للمألوف الراهن، وهذا التحرير أو الاستقلال أصبح من مميزات الشعر العصري، وله روعته وجماله وإن بلغ حد الغلو والتطرف أحيانا؛ لأن للحرية عظمة خاصة بها حتى في تهورها، فالشاعر الحر شغف بحرية الوحي الشعري كالسياسي الحر عبد لحرية الرأي السياسي.»
والواقع أن ولي الدين يكن رغم معرفته الدقيقة الواسعة باللغة العربية وآدابها، لم تستعبده تقاليد الشعر العربي، ولا طغت الذاكرة عنده على القدرة على الخلق وابتكار التعبير أو الصورة أو القالب، وذلك لعدة أسباب منها: تنوع ثقافته الأدبية؛ إذ كان يجيد معرفة الأدبين التركي والفرنسي إلى جوار الأدب العربي، كما كان يلم بالأدب الإنجليزي، مما وسع في أفقه ووقاه خطر استبداد تقاليد الشعر العربي بشعره، وبخاصة وأنه كان نزاعا إلى الحرية، وكان من الطبيعي أن تمتد هذه النزعة إلى وسائل التعبير والتصوير، فتحررها هي الأخرى من التقاليد والقوالب المتحجرة، وربما كان في تحرر مطران من تلك التقاليد والقوالب ما حمل ولي الدين على محبته والإعجاب به، بل والثمل بشعره.
وأخيرا لا يجوز أن ننسى أن طبيعة ولي الدين النفسية قد كانت - كما سبق أن قلنا - من أهم العوامل التي دفعته إلى التجديد والابتكار في أسلوب الشعر والنثر؛ وذلك لأن الانفعال الفكري القوي لا يمكن أن يسكن إلى العبارات أو الصور التقليدية المتوارثة التي أكلها التحات لكثرة الاستعمال والتداول، ولا بد أن يبحث مثل هذا الانفعال الفكري القوي عن عبارة أو صورة جديدة، واضحة المعالم قوية التعبير كالعملة الجديدة السك.
ولقد سبق أن مرت بنا لوحات من تصويره للأتراك المسلمين في مصر بنرجيلاتهم ومشعوذيهم، ولرجال الدين بعثانينهم التي تشبه حدائد الفئوس! وكلها تنم عن رؤية شعرية أصيلة واضحة، وقدرة على ابتكار التعبير القوي الدال في غير كسل ولا رجوع إلى التعابير والصور التقليدية المتآكلة.
وفي الحق إننا لا نكاد نتصور كيف كان يستطيع مثل هذا الشاعر المنفعل الملتزم أن يجري في شعره السياسي المعاصر، وفي نفثات منفاه وفي آرائه الاجتماعية الحديثة على تقاليد الشعر العربي القديم، أو أن يستعير منه القوالب والأخيلة، وهو يسبح في عالم جديد مغاير تمام المغايرة لعالم الشعر العربي القديم، وإنما يمكننا أن نتصور ذلك عندما يكون موضوع الشعر من الموضوعات التقليدية عند العرب مثل الغزل، فهنا نعثر في ديوان يكن على بعض مقطوعات قالها في صباه على النهج التقليدي، حتى لنراه يقف على الديار، حيث يقول (ص101) تحت عنوان «ومن قوله في صباه»:
وقفت بالدار أبكي رسمها العافي
ما كل ذي شجن مثلي بوقاف
إلى أن يقول:
أهوى رضاه وأهوى أن يعذبني