تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والواقع أن مسألة رجال الدين من المسائل العالمية المزمنة؛ وذلك لأن الأديان كلها تدعو إلى المحبة والإخلاص والأخوة بين البشر، ومع ذلك لم ترق دماء في تاريخ الإنسانية الطويل مثلما أريقت بسبب الأديان، ولم يكن ذلك لتعارض تلك الأديان وتعصب أهل كل دين ضد الآخرين، على نحو ما حدث في الحروب الصليبية فحسب، بل وكان ذلك داخل كل دين على حدة، وما انشق إليه من فرق ومذاهب وطوائف، فضلا عما فرض على البشر باسم الدين من حجر على الفكر البشري، وإعاقة تقدمه، وتقدم البحث العلمي، على نحو ما شهدت الإنسانية من محاكم التفتيش واضطهاد الكهنوت وجامعاتهم للعلماء والمفكرين.

ولما لم يكن من المعقول تحميل الديانات السماوية مسئولية هذه الدماء، فإن المؤرخين والمفكرين لم يروا بدا من أن يحملوا رجال الدين وكهنوته هذه المسئولية الجسيمة، وأن يدعوا الكثير منهم إلى فصل الدين عن الدولة، والحد من نفوذ رجال الدين، حتى تواصل الإنسانية تقدمها وتنجو من التعصب الديني والنفاق الممقوت. وكان ولي الدين يكن من هؤلاء المفكرين أنصار حرية الفكر، وخصوم رجال الدين، حتى لنراه يستشهد على تعصبهم وجهلهم بمناقشة طريفة جرت بينه وبين أحد رجال الدين في سيواس أثناء نفيه بها، وأوردها في ص140 من الجزء الثاني من «المعلوم والمجهول»، فقال: «ذهب رجل منهم إلى أنه يحرم على المسلم أن يدعو غير المسلم أخاه، واحتج بآية:

إنما المؤمنون إخوة

فقلت له: أنا لا أجادل بالقرآن، ولكني أخالف الساعة عادتي، وأثبت لك فساد دعواك وخطأك في تأويلك، قال: هات ما عندك، قلت: إن في علم المعاني بابا اسمه باب القصر، قال: أعرفه، قلت: وفي الآية قصر موصوف على صفة، فهذا لا ينفي الإخاء من غير المسلمين، ولو كان فيها قصر صفة على موصوف، كأن تكون: إنما الإخوة المؤمنون، لنفى من غيرهم الإخاء، ثم يضيف: فغضب الرجل من كلامي وقال: أعوذ بالله أن يكون في علم المعاني شيء من هذا الكفر، وما هو إلا اختلاق منك، وهب جدلا أن دعواك صحيحة، أيحملني ذلك على أن أصدق علم المعاني ولا أصدق القرآن.»

ويعلق على هذه الحادثة بقوله: «فأيقنت يومئذ أن الرجل ممن أفرغ في رأسه عشرون قنطارا قطرا، فآثرت إهماله وأنشدت قول أبي الطيب:

ومن البلية نصح من لا يرعوي

عن جهله وخطاب من لا يفهم

هؤلاء الرجال يحللون من الأمور ما يوافق أهواءهم، ويحرمون منها ما يخالف أهواءهم، يسطون على الناس بسيوف من الإيمان الكاذب، فلا يثبت على لقائهم إلا من:

إذا هم ألقى بين عينيه عزمه

ونكب عن ذكر العواقب جانبا

فما تحكم عبد الحميد بالأمة إلا بنصر هؤلاء، أما جنوده فأولئك منخدعون، ولقد فطنوا لذلك فجعلوا صلواتهم وابتهالهم وقفا لظالم الأمة، استجلبوا له القلوب الخالية والنفوس الطامعة، فوقفوا كلهم لقاء الأحرار يكيدون لهم كيدا، وكانوا يدعون المنفيين في بلادهم أعداء الدين والدولة، وكانوا يذمون الشورى ويذمون من يدعو إليها، ولو أمكنتهم غرة من الأحرار لاجتثوا أصولهم وأبادوا أعقابهم، فإذا طهرت البلاد من شر هذه الفئة راجعتها السعادة.»

وانفعال ولي الدين يكن العنيف للحرية أو تعصبه لها، هو الأساس الذي بنى عليه - كما قلنا - صداقاته وعداواته، وبه نستطيع أن نفسر حبه للإنجليز، وبخاصة للورد كرومر الذي أطلق حرية الرأي والكتابة وحرية الصحف في مصر لأغراض سياسية معلومة سبق الإشارة إليها، وأوقف قانون المطبوعات منذ سنة 1892، وظل موقوفا حتى سنة 1909، كما حمى الأتراك الأحرار الذين احتموا بمصر، وحمى غيرهم من رعايا الإمبراطورية العثمانية عندما نزحوا أيضا إلى مصر فرارا من بطش الحكومة التركية.

ففي مقدمة الجزء الثاني من «المعلوم والمجهول» يقول ولي الدين: «نظر أناس في الجزء الأول من المعلوم والمجهول فرأوا صورة اللورد كرومر وقد كتب تحتها «مصلح مصر» فألقوا بالكتاب جانبا، وأطبقوا جفونهم وولوا عنه هاربين، راعهم شخص ذلك الرجل الجليل على الورق، فأخذتهم سورته، ولم تقو عيونهم على النظر في وجهه، فكيف بهم لو تمثلوا بين يديه ورن صوته في آذانهم، وقد زعموا بعد ذلك أني صنيعة الرجل، والرجل لا علم له بكتابي إلى يومنا هذا.»

محاضرات عن ولي الدين يكن · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن ولي الدين يكنص ١٣