ثم يستطرد إلى مأساة العثمانيين وما عانوه من استبداد، فيقول: «الاستبداد الذي اشتكاه العثمانيون هو أكبر مما جاءت به هذه السطور، والحرية التي كانوا يقنعون بنيلها أقل بكثير مما مثلته في الكلمات المتقدمة، نعم كانت الأمة تريد شيئا ولا تدري ما هو، كانت تشكو ولا تعلم ما يشكيها، بل كانت لا تطمع أن تعلم، فلما حل ميقات الخلاص انتفضت فتساقطت من عليها نبال الظلم، فوقفت مستبسلة لا ترجو إلا الله، ولا تريد إلا الوطن، حتى إذا ذاقت وصال الحرية، واستمتعت بجمالها وشبابها، علمت أنها كانت تئن من أجل ذاك، ودرت أن هذا ما لا بد منه لحياة الأمم.»
ويتحدث عن رجال تركيا الفتاة، فيقول: «وإنما نقم رجال تركيا الفتاة على الملوك العثمانيين جهلهم وخمولهم، وما ألفوه من البذخ والترف، وما جروا عليه من ظلم الرعية والتأله عليهم، وإنكارهم على الأمة ما تطلبه من العدالة، وهي أصل الحرية والمساواة والإخاء، واستكبروا أن يكونوا كالملوك في البلاد المتمدينة، وأبناء الملوك عندنا لا يربون على ما يفتح أذهانهم ويهذب أخلاقهم.»
ولما كان سلاطين تركيا يستمدون سلطتهم من الدين باسم الخلافة التي يستترون خلفها، للبطش بالرعية وإشباع شهواتهم الحقيرة الحيوانية، ويصطنعون رجال الدين في تثبيت تلك السلطة، فقد كان من الطبيعي أن يهاجم ولي الدين يكن ورجال تركيا الفتاة رجال الدين هجوما عنيفا، وأن يبذلوا كل جهد لتقويض سلطانهم على الأمة، وفي هذا يقول ولي الدين في نفس الفصل من نفس الكتاب: «أما رجال الدين وهم عيال الرجال فينبشون عن منسوخة الأحاديث وغير الصحيح منها، فلا يروون للملوك إلا ما كان حثا على طاعتهم، مثل قولهم: «قلب السلطان بين إصبعي الله يقلبه كيف يشاء.» وقولهم: «الملوك ملهمون.» وقولهم: «اسمعوا وأطيعوا ولو ولي عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة.» كل ذلك يفسدون به أخلاق الملوك تقربا إلى جفانهم واستجداء لحبواتهم.»
ويهاجم الشعراء المداحين المتملقين فيقول بعد حديثه عن رجال الدين: «فما يخرج هؤلاء إلا يدخل السائلون المادحون، ونسميهم مسامحة شعراء، ليمدحوا الظالم سفاك الدماء ناهب العباد فيقولوا له: «إن بين غلائلك لعدلا من الله، وبين جنبيك لروح القدس! يا مجزل العطاء ومولى النعم! يا من يخصب بأمرك المحل وتجري الرياح، وتنقاد لمشيئتك الأقدار، وتحسد السماء الأرض إذ كانت موطئا لأقدامك! يا ظل الله وباني الكون، يا من عتبته فوق الأفلاك ...» إلى غير ذلك مما يستحي من ذكره ويشمئز من سماعه كل من كان في فؤاده مثقال خردلة من العقل والإنصاف.»
وهو يصف الحكومة العثمانية التي كان يحاربها هو ورجال تركيا الفتاة بقوله: «أما الحكومة العثمانية فلم تشبه حكومة في الوجود، وما انتظم لها أمر في ماضيها ولا في حاضرها، ومثل رجالها كمثل سكان الخيام في زمان الجاهلية، إذا وليهم سيد عاقل، واتخذ بطانة خير وحاشية عدل، أنعش نفوس محكوميه وأحيا موات آمالهم، وإذا وليهم غاشم جب منم الغارب والسنان، وأذاقهم مضض الذل ومرارة العذاب، تجبى أموال الرعية بلا حساب، ويضيع بعضها في جيب الجابي، وبعضها في جيب من هو فوقه، فلا يبقى لبيت مال الدولة إلا ما يتصدق به عليه السارق والناهب فضالة، ينفق جانب منها على طرب الملوك ولذاتهم، وجانب على المقربين من الغرانقة، ويبقى الموظف الصغير صفر اليد أو تدرك أمره رحمة، فينبز إليه بما يسد به رمقه.»
والظاهر أن شدة سخطه على الخلافة المستبدة الفاسدة، وعلى من يمكنون لها في الأرض قد دفعه إلى إساءة الظن برجال الدين أجمعين، فقال في الجزء الثاني من المعلوم والمجهول (ص137): «رجال الدين في كل أقطار الأرض حرب على الناس، فهم يبدون غير ما يخفون، ويأمرون بما لا يعلمون، ومنهم من صدق إيمانه، وكانت سريرته كعلانيته وهم أقل من القليل.»