وهو في الجزء الأول من المعلوم والمجهول يعقد فصلا عن حال الأحرار وجمعياتهم بعد هرب مراد من الآستانة، يتحدث فيه عن مراد الطاغستاني أحد أحرار الأتراك، واحتجاجه على اضطهاد عبد الحميد الثاني للأرمن وتذبيحهم، ثم هرب مراد هذا إلى مصر، ويقول: «وجاءت الرسائل برقية وغير برقية، تطالب فيها الحكومة العثمانية الحكومة المصرية بإعادة مراد إلى الآستانة، أو طرده من مصر، أو عدم الإذن له بإصدار جريدة فيها، فلم ينل عبد الحميد من لجاجه سوى الفشل وسوء المصير، والفضل في ذلك للورد كرومر حبيب الأحرار، ومصلح مصر ورجلها العظيم.» وإن يكن قد غاب عنه - كما سبق أن قلنا - حقيقة سياسة كرومر الدفينة، التي لم تكن تبغي خير مصر والأحرار، بل كانت تبغي تحطيم الإمبراطورية العثمانية والتهام ممتلكاتها، وفي مقدمتها مصر، كما أثبتت الأيام من بعد.
وهذا التعصب للحرية هو الذي يفسر لنا أيضا إعجابه بإخواننا العرب، ولا سيما المسيحيين السوريين المهاجرين إلى مصر، وصداقته لهم على غير تبصر ولا دقة في الاختيار، حتى لنراه يوثق صلته بأصحاب «المقطم»، الذين لم يكن حبهم للإنجليز مبعثه حب الحرية، وبغض الاستبداد التركي فحسب، بل كان يرجع إلى عوامل أخرى كثيرة أقل شرفا ونبلا، كالمصالح المادية، بل والتعصب عند نفر من تلك الجماعة.
وهو يشيد في الجزء الأول من المعلوم والمجهول (ص71) بهؤلاء المسيحيين السوريين، ويوازن بينهم وبين المسلمين الأتراك المقيمين بمصر، فيقول: «ويشهد الله وكل محب للحق أن إخواننا العرب لا سيما المسيحيين السوريين منهم كانوا أشد الناس ضجرا وأعظمهم أنفة من احتمال الذل، فهم الذين تاقت نفوسهم إلى الفضيلة العصرية من وراء حجب الاستبداد فأقبلوا على مصر، وعلموا إخوانهم المصريين إنشاء الصحف واتخاذ المطابع واحتراف الأدب العصري واصطفاء الحرية، هذا مع أنهم محرومون في بلادهم من التمتع بمثل هذا النعيم.
غير أن حب المعالي في أكثر النفوس طبع لا تطبع، وإلا فمن علم الطير ترجيعه ومن وهب البلبل حب الورد؟ ولما طال عليهم احتمال الضيم هجروا أوطانهم وضربوا في أقطار الأرض، يجوبون قاصيها ودانيها، يحلون من منازلها آهلها وحاليها، أعوانهم عزائمهم، وبضاعتهم عقولهم، فحيث عثرت جدودنا انتهضت جدودهم ... إلخ.»
وهو يتحدث بعد ذلك عن الأتراك المسلمين الذين استوطنوا مصر من الأزمنة السالفة، فيقول عنهم: «لا يهمهم من السلطان إلا كونه سلطانا، وهم يعتقدون أن لا حق للأمة في مشاركة الملوك في أعمالهم، وأن الرعية عبيد للملوك، يؤمرون بالطاعة لهم وإن ظلموا، والشكر وإن أساءوا، يتحدثون بذلك في مجامعهم وبأيديهم السبح وأمامهم النارجيلات، يمتصونها حتى تستطلع حبابها، يؤتى لهم بالشاي منقوعا، وبين يديهم جماعات من المشايخ، منهم المدعون لعلوم الكيمياء القديمة، ومنهم أولياء الله الناطقون بالغيب (بالسرياني)! ومنهم المتصوفون من أتباع الرفاعي والكيلاني ومحي الدين العربي والبكطاشي والمولوي، ومنهم أئمة الشرع ورواة الأحاديث والمفسرون، كل هؤلاء يكفرون الأحرار، ويدعون لعبد الحميد، ويمدون أنامل أكلت أطرافها حبات السبح يجرون بها دراهم أعوانهم عدا، بطلا وجشعا ولؤما، كانوا يؤثرون حب عبد الحميد على حب العادل الحميد.»
والذي لا شك فيه أن كل هذا إنما هو تفريع عن العقدة النفسية الأصلية عند ولي الدين، وهي عقدة بغضه العنيف لاستبداد عبد الحميد باسم الدين، وهو في موضع آخر من نفس الكتاب يقارن عبد الحميد بالجعل ويجمع بينهما في حكم واحد، حيث يقول: «كريهان يؤذيهما طيبان: الجعل يؤذيه ريح الورد، وعبد الحميد يؤذيه نسيم الحرية!»
وهو يناصر المضطهدين من الأرمن، ويدفع عنهم في الجزء الأول من المعلوم والمجهول (ص48) تحت عنوان «مذابح شهداء الحرية من إخواننا الأرمن»، ويشرح أسباب تلك المذابح، ويقرع التعصب الديني والعنصري تقريعا شديدا، ويهاجم المتعصبين من الأتراك والأكراد هجوما عنيفا، ويستشهد في وصف حالة الأرمن في الإمبراطورية العثمانية، واضطهاد المسلمين لهم بأبيات قديمة بالغة القوة، حيث يقول: «وقد صدق أحد شعراء الحماسة، إذ يقول: