وكانت تلبس على رأسها منديلا أصفر عقدت أطرافه على فمها لكي لا يضايقها التراب الذي يتصاعد من القش عندما تحركه، ومن الأرض الجافة ومن وقت إلى آخر، كانت تذهب لتتمدد فوق القش كحيوان أنهكه التعب، وعندئذ كانت الدموع تتصاعد إلى عينيها، وبطنها تتخذ شكل تل مشوه.
وألقى بيتر ماجون نظرة قلقة على امرأته فرآها منبعجة بشكل مخيف، وعندما كانت تنحني كان يلوح أن أنفها ووجهها كله يدخل في بطنها، وبعد كل حزمة تقطعها من القمح كانت تمسح عينيها بطرف منديلها، فتلوح لبيتر وكأنها تبكي.
فسألها: «ماذا يا أنا؟ هل تبكين؟»
لا جواب. - قولي ... هل تبكين؟
وأسندت أنا يديها فوق ركبتيها، ثم مرت بهما - في مشقة - فوق فخذيها وعجزها، وكل من هذه الحركات تزيد بطنها انتفاخا، وخلعت المنديل الذي يغطي فمها لكي تربطه على قمة رأسها.
وأجابت - وهي تنفخ: «أبكي؟ ... لماذا؟!» - لقد اعتقدت أنك تبكين. - لا ... ولكني أشعر فقط أنني ثقيلة جدا، ولا أدري لماذا أحس أنني ثقيلة اليوم وكأنني في أول حمل لي.
واقترب ثور ميزاندرو لوكيا وهو موثق القدمين، قافزا من حافة الحقل، وهو يرسل نحوهما نظرات خبيثة، ويستعد للدخول في القمح.
فأسرع ماجون إليه وهو يقسم، ويضرب بظهر منجله. - يا لله! يا لك من حيوان! أتريد أن ترعى حقلي؟ أنا لا أملك مائة فدان من الأرض بل أملك هذه النتفة!
وارتفع صوت ليزاندرولوكيا الذي كان يحصد هو الآخر على مسافة قريبة قائلا: «حيلك يا أب ماجون! لا تضرب ثوري ... بل سقه ناحيتي.»
ومرة أخرى انتشر الصمت على السهل.
وبيتر ماجون يحصد بيده العريضة حزما من القمح في حرارة ونهم بالغين، وأنا على العكس تتحرك في مشقة، فهي دائما متأخرة عن زوجها؛ ولذلك كان بيتر يعود أدراجه عندما يتقدمها بكثير.
وصمت الاثنان وأحيانا كان منجله يتعثر في بعض الجذور فيصيح لاعنا ، بينما تلوح أنا وكأنها لم تسمع شيئا، مكتفية بأن تدير رأسها نحوه وتبتسم بشدة، وكأنها تبتسم رغما عنها، فعيناها حزينتان وقد اتسعتا مسرفا.
وحوم صمت مر فوق سهل برجان، وكأنه يهتز في الهواء تحت وقدة الشمس، فالأرض تحترق، وسيقان القمح تتقصف، وأوراق الذرة تصفر اصفرارا مبكرا وتنكمش في شكل أقماع.
ومع ذلك فالفلاحون يعملون، ولا يرى الإنسان غير ظهورهم وهم يتقدمون منحنين عبر حقول القمح، فهم يحصدون وعندما ينهضون يفحصون السماء، والزنابير تضرب بأجنحتها السنابل المنحنية.
ومن ناحية المستنقعات ترتسم بقعة بيضاء هي سحابة خفيفة تكاد تشبه خيطا من الدخان على وشك التبدد.
ويمتد الجفاف متسللا كالمرض ...
ويحسه الإنسان في زرقة السماء الكثيفة، وفي خوار الدواب، وفي كل ساق سنبلة فوق الأرض المنهكة، وهو يمتد أبكما ثقيلا كالموت مبتلعا المياه والحياة.
ومرة أخرى تذهب أنا؛ لتتمدد على القش.
وينظر إليها بيتر مانجوم ويتابع بعينيه حركة بطنها وهي تصعد وتنتفض في إيقاع، ويقول: «يا لها من حياة! ... هذه المسكينة أنا ... تلد كالكلبة، وكيفما اتفق طفلا بعد آخر، ويسألها: متى الوضع؟» - في الحقيقة لا أذكر، وأظن أنه لم يحن الوقت، ربما كان بعد أسبوع.
وتبتسم وهي تنظر إلى المساء ممدة على ظهرها. - انهضي إذن ولنسرع!
وتنهض أنا وتعمل في صعوبة، وتتداخل سيقان القمح، وتترك خلفها صفا من السنابل التي يجمعها بيتر في صبر وهو يربط حزمه، وأخيرا يقول: ربما كان من الأفضل أن تذهبي لتستريحي إلى جوار العربة قليلا، فهناك ظل والحرارة أهدأ، وحملك يثقلك فيما أرى، ولا أباهي إذا ذكرت أنك تلدين في الحقول، والقرية كلها تتحدث عن ذلك. - آه ... القرية ... ليس هناك غيري تلد في الحقول، وأنا أعلم أن الرجال يضحكون ... ولكننا نحن نلد أطفالنا في أي مكان يأتينا فيه ألم المخاض، والله - لا الرجال - هو الذي ينظم كل هذا.