تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومرت بطرف منديلها الأصفر فوق وجهها لكي تمسحه، وخلعت - في عناية - مريلتها من فوق بطنها، وذهبت والأرض تحرق صفحة قدميها، وكانت أنا في قوام ماجون تقريبا، وأخذت تمشي بخطى واسعة ، ولكن حملها المتقدم كان يفسد اتزان مشيتها، وظلها يتبعها - طويلا مشوها - فوق القش المنتصب، ويعكس على قمة الذهبية فيصيبها بالدكنة.

وبسرعة تمددت أنا في ظل العربة رغم ندرة هذا الظل، فنصف جسمها ابتداء من الخصر معرض للشمس، وقد أصابها بالتصلب ألم حاد، ولكن هل هو إشارة الخلاص؟ لقد وضعت مرة على هذا النحو، وكان ذلك في الخريف وقت جمع الذرة تحت مطر خفيف.

ويقلقها هذا الألم الذي يتكرر، وتأمل ألا يحدث الوضع الآن، وعرق غزير بارد يثلج كليتيها، فتفزع وتمسك بيدها اليسرى عجلة العربة، وباليمنى تتعلق بالقش الذي اقتلعته من الأرض.

وظلت ساكنة وعيناها إلى السماء وأنفاسها متوقفة.

وفي أعلى - أي في أعماق زرقة السماء - تتابع عصفوران وكأنهما نقطتان بالغتا الصغر وهما يغنيان، وعلى الأرض وسط أعواد الذرة تغني سمانة أيضا، وخطر لأنا أنه كان من الواجب أن تتمدد على الحصير الموجود إلى جوارها، ولكنها لم تجرؤ على أن تتحرك، وبقيت ممدة فوق الأرض العادية.

ودنت من وجهها ضفدعة مبللة الظهر وهي تقفز، ثم وقفت وحدقت في أنا فاغرة فاها، وعيناها جاحظتان، وحلقها المبرقش بالبياض ينبض.

وتقززت أنا وودت لو طردتها، ولكن الآلام ترهقها الآن، ولا تسكت عنها، فانطوت على نفسها وهي تئن، واشتدت قبضة يدها على عجلة العربة، وارتعدت ركبتاها فجأة، وأحست كأن ساقيها تنزعان من الفخذين.

وتلا تلك الهزة إحساس بالانتعاش، وغمرت النشوة قلبها وأشاعت البريق في عينيها المليئتين بالدموع، وتخلت عن عجلة العربة ومسحت التراب الذي كان لا يزال عالقا براحة يدها اليسرى.

وعندما نهضت على ركبتيها كانت عيناها مضطربتين محاطتين بهالات سوداء، وبيديها المرتعدتين الهزيلتين انحنت؛ لتأخذ الطفل الذي كان يرفس بساقيه في القش.

وكانت شذرات من القش والتراب قد لصقت بلحم الطفل الأحمر، فنهضت الأم ورفعت الطفل إلى السماء وهزته عدة مرات، فانطلقت منه صيحة، وفي لهفة أدنت أنا الطفل من ثديها وقبلت رأسه.

وانتزعت القش ومسحت التراب عن الطفل، وخلعت مريلتها وطوتها وجعلت منها لفة للطفل، ثم وضعته بسرعة في العربة التي مدت فوقها الحصيرة لتظللها.

ثم أصلحت ملابسها واتجهت نحو زوجها؛ لتواصل العمل إلى جواره وكأن شيئا لم يحدث.

كان بيتر ماجون يسبح في العرق، وكأنه خارج من الاستحمام في النهر، ومن خلفه عشرات من حزم القمح ملقاة على غير نظام، وقد أصبح الجو خانقا، واتخذت الأرض لونا بنفسجيا، وكأن حريقا قد شب في سهل براجان.

واقتربت أنا من بيتر، ولكنه ظل منهمكا في عمله، وظلت واقفة منتصبة، والمنجل في يدها تنتظر أن يتكلم، وماجون يستمر في الحصد متحمسا بلا هوادة، وبضربة قوية يقصف أعواد القمح المنحنية على شبا منجله.

وقالت له أنا: «بيتر أنصت إلي ... بيتر ... لقد وضعت.»

ودون أن ينهض أدار ماجون عينيه نحوها.

وتكلمت المرأة بصوت خافت، وهي تحس بطعم الرماد بين شفتيها: «نعم يا بيتر ... لقد وضعت.»

وسقط المنجل من يدي بيتر ونهض. - وما حيلتنا في ذلك؟ لقد حدث لي ذلك مرة أخرى في الخريف في يوم ضباب.

وأرد بيتر أن يقول شيئا وأن يقسم بأغلظ الإيمان، ولكنه استسلم بسرعة واسترد منجله، وبينما كان يحصد حزما جديدة من القمح سأل: «أهو غلام؟» - نعم غلام.

فطالت عنقه أكثر من ذي قبل فهي أشبه بعنق النعامة.

وانشق فمه عن ضحكة عريضة صامتة، ثم قال: «ولماذا عدت إذن؟» - لقد انتهى الأمر الآن، وأحس أني خفيفة.

وها هي تحصد من جديد، ولكن متخلفة بكثير عن بيتر الذي يسرع وكأن الذئاب تطارده، والسنابل تحك ذقنه المبللة بالعرق، وتعلق بها بعض أعواد القش.

قصص رومانية · الصفحة ٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قصص رومانيةص ٥٦