تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اضطررت إلى التسليم، وعلم بائع السحلب رسول العناية الإلهية المأساة كلها، وكان علاجه سريعا كالبرق.

قال لي - مستخدما في حذر اسمي المنتحل بعد أن صاغ منه تصغيرا: «ستاوراكي! يجب أولا أن تقلع عن البحث عن أختك بهذه الطريقة غير الحكيمة، واعلم أنه من الأسهل أن تنتزع ظبية من فم النمر، عن أن تنتزع امرأة محبوسة في الحريم، وإذا استطعت أن تتغلب على هذا الضعف العاطفي، فإن ما عدا ذلك يعتبر في منتهى السهولة، فأنت تملك ثلاثة جنيهات مجيدية، فهذا المبلغ من المال يكفي لكي تشتري إبريقا للسحلب وأكوابا، أي ما تراه بين يدي، وهو الذي يمكنني من أن أعيش حرا منذ عشرين سنة، وبعد ذلك تحمل الإبريق على ذراع والسلة على الآخر، وباربايني إلى جوارك، وسنذهب في مرح نجوب الطرقات والميادين والأعياد والأسواق، ونصيح - في بهجة: «سحلب! ... سحلب! ... سحلب! ... ها هو السحلب اللذيذ! وستفتح أمامك أرض المشرق واسعة حرة! نعم حرة؛ لأنهم مهما قيل عن الاستبداد في الأرض التركية، فإنه ليست هناك أرض يستطيع أن يعيش فيها الإنسان بحرية أكبر، ولكن على شرط: هو أن تمحو نفسك وأن تختفي بين الجموع، ولا تلفت إليك الأنظار بأي شيء، وأن تكون أصم أبكم، وعندئذ فقط تستطيع أن تدخل في كل مكان غير مرئي، والأبواب المغلقة لا تفتح إلا لمن يقتحمهما.»

ولم يكد يأتي اليوم التالي حتى كنت أحمل بين ذراعي الإبريق وسلة الأكواب، وأصيح في شجاعة إلى جوار باربايني: «سحلب ... سحلب لذيذ»، وعرفت عندئذ الطريقة التي يمكن أن يدخل بها في الكمر، ذلك الصديق الخائن، الذي لا قلب له، والذي تركه من قبل.

فالنقود تتساقط من كل ناحية، ودخلت الحرية في كيسي، وعند هبوط المساء تذوقت سعادة الرجل الذي يستطيع أن يعيش دون أن تمتلئ جيوبه بالذهب، وعند تدخين نرجيلتنا في إحدى الشرفات، أخذت أتشرب الطيبة التي تشع من شخص باربايني كله، لقد كنت معترفا له بالجميل وأحببته كما يحب الإنسان أبا طيبا وصديقا، وأقمت عنده وعملت معه، وكنا نتناول طعامنا معا، وأوقات تسكعنا نتذوقها معا، وهكذا أصبحنا لا نفترق، ولم تلبث صداقة قوية أن ربطتنا بأن غرست الغصن الصغير في جذع الشجرة الناضجة.

بل وسبق باربايني حب استطلاعي بأن كشف لي عن ماضيه الذي لم يكن خاليا من الهنات، بل من المرارة.

كان يعمل مدرسا في مدينة صغيرة ببلاد اليونان، وارتكب غلطة عاطفية حكم عليه بسببها بسنتين من السجن وفقد وظيفته، وعند خروجه من السجن ترك المدينة لكي يجوب عدة مدن أخرى، اشتغل فيها بالتجارة، وقاسى محنا وعقد صداقات، ودمي قلبه، وكادت مغامرة غرامية أخرى أن تقضي على حياته، وعندئذ عبر إلى آسيا الصغرى وعاش في الوحدة والاستقلال، بل وفي الحكمة تقريبا.

كان رجلا يجيد الكلام ويجيد الصمت، يصدر عن طيبة لا تتحول إلى بله، وعندما لا يروقه أحد كان يرى أن لا جدوى من الإلحاح، وكان يعرف كل لهجات الشرق الأدنى، ويوزع فراغه بين القراءة والتسكع وغسل ملابسه، ولم يكن يدفعني إلى شيء، بل كان يريني فقط ما هو خير ونافع ومن الذكاء أن أفعله، قد تعلمت كتابة وقراءة اللغة اليونانية، ولما رآني متعلقا بحياته - في أمانة - لم يساومني في محبته.

وفي البدء أناديه بلقب «يا سيد»، ولكنه طلب مني أن أناديه ببربا، وبعد قليل أخذت أنسى فقدي لكمري وكنزه الثمين، وأخذت أتحول إلى تلميذ له وصديق وحيد، وعزاء لأيام شيخوخته.

ولكن بقي لي قبل ذلك سفح شاق لأتسلقه، وقد تسلقناه معا.

كنت قد نسيت فقد كمري، ولكنني لم أستطع أن أنسى فقد أختي، وكنت أحب باربايني، ولكني أعبد كيرا، ولما كنت متأكدا من وجودها خلف الباب الذي ضربت عنده فقد وسوس لي الشيطان أن أعود إليه.

كنا في قلب الصيف، وبعد ثلاثة أشهر من النزهة الحزينة في باب توما، وفي غفلة من برباياني قمت بعدة زيارات للفيلا الملعونة، وحومت من بعيد، وتربصت وتجسست، ولكن بلا جدوى، فنساء أخريات كن يخرجن في العربة، وأما كيرا فلا، وشجعني الحذر الذي استخدمته في أن أقرر ذات مساء أن أكون أكثر جرأة، وحصلت على سلم مستقيم، واستعنت بالليل المظلم، وذهبت لأسند السلم إلى جدار مرتفع يحيط بالفناء، وكنت أبحث عن وسيلة أستطيع بها أن أرى داخل الحريم، حيث كنت أعلم أن النساء يرحن ويغدون دون نقاب.

قصص رومانية · الصفحة ٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قصص رومانيةص ٤٦