تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعاد دراجومير وكيرا إلى قرية برايلا، حيث عاشا في نزل، حتى كان يوم استطاع فيه تركي عجوز اسمه ناظم أفندي أن يغريهما ويقتادهما إلى مركبه الشراعي الفخم، وسجنت كيرا في حريم القسطنطينية، وأتلف الغاصب الحقير أخلاق الأخ إتلافا نهائيا.

وبعد أشهر طويلة في السجن الفخم، استطاع دراجومير أن يفلت، وكان عندئذ في الخامسة عشرة من عمره، جميلا فخم الثياب، ولكن في سذاجة لا تصدق، وأخذ يتسكع في المدينة إلى أن التقطه مصطفى بك، الذي وفر له حياة أكثر بذخا من حياته عند ناظم أفندي، ولكنه أضاف الكحول إلى الانحرافات الأخرى التي كان اليافع قد عرفها.

ومع ذلك فبرغم الرقابة الشديدة استطاع دراجومير أن يهرب مرة أخرى، والكمر - أي حزام النقود المشدود على وسطه - مليء بالقطع الذهبية والحلي.

واستطاع أن ينتقل إلى بيروت، حيث استغلته أسرة من الفنانين، ثم انتقل إلى دمشق حيث سرق منه - في أحد الفنادق - الحزام الذي يضم ثروته كلها، وها هو يرى كيرا في عربة تدخل إلى فيلا فاخرة، فأراد أن يدخل هو الآخر، ولكنه ضرب ضربا مبرحا بعصب ثور، وترك على حافة الطريق في شبه إغماء من الألم. •••

هنا تصل رحل عذابي إلى قمتها، وهنا تنتهي أحزان ثلاث سنوات من الطفولة المعذبة؛ وذلك لأنه إذا كان الله قد قسا علي وحرمني من كيرا، فإنه لم يحرمني من لطفه، إذ أرسل لي صديقا.

جمعت جسمي الجريح، وبمشقة استطعت أن أسحب نفسي إلى الناحية الأخرى من الطريق، وانطرحت على الأرض منهكا، وفي تلك اللحظة اقترب مني رجل بين الأربعين والخمسين من عمره، فقير الثياب، في زي يوناني، حاملا في يد وعاء السحلب، وفي الأخرى سلة بها الكوبات، ووضع أدواته وربع أذرعه، وتفوه بعلامة تعجب صادرة من أحشائه قائلا باليونانية: «آه يا غلامي المسكين! لقد شهدت ضربك ووقفت عاجزا، أية إساءة ارتكبتها في حق هؤلاء المتوحشين لكي يعذبوك على هذا النحو؟!»

وتطلعت إلى وجهه المشرب بالإخلاص، وذقنه الشعثاء التي خطها الشيب، وعينيه الطيبتين الناضحتين بالألم تحت جبهته المجعدة، وتملكني الغضب وتمردت على مشاعري الخاصة قائلا: «اذهب إلى الشيطان، اغرب عني.»

وانفجرت باكيا، فتوثبت طيبته، قال: «لماذا ترسلني إلى الشيطان يا بني؟ ... إنني أشعر حقا بالشفقة نحوك، وأريد عونك في محنتك.» - دعوني لحالي، أنتم جميع الرجال بشفقتكم وقلبكم، لقد قاسيت منهما الكثير وأريد أن أموت وحدي. - أوه! البائس ... في هذه السن الصغيرة، وقد تقزز من الحياة! ولكن اشرب مع ذلك هذا الكوب من السحلب الدافئ، فإنه سيرد إليك شيئا من القوة.

وقلبت كأس السحلب، ولكني لم أستطع تكوين رأي، فأية قاعدة أو أي فهم يمكن أن أستخلصه من هذه التجربة القصيرة، عندما أذكر أن كثيرا من الرجال الذين بدءوا بالتظاهر بالطيبة والكرم، قد تكشفوا في النهاية عن أنذال مجرمين؟ نعم، في سن السادسة عشرة كنت قد عرفت حقارة النفس البشرية، وإن لم أعرف كل شيء.

لم أعرف بوجه خاص أن أعمال الخليقة بالغة التعقيد والتنوع، وأن ألف دناءة نعانيها لا تعطينا الحق في أن نبصق على الإنسانية كلها، والله نفسه قد أدرك ذلك عندما غضب من الإنسانية المخطئة؛ فقرر أن يعاقبها دون أن يستأصلها، ما دام قد أنقذ من الكارثة نبيا عادلا وأسرته، وإذا كانت الإنسانية التي عاشت بعد الطوفان لم تكن خيرا من الإنسانية السابقة، فإنها لا تتحمل مسئولية ذلك، إذ إن الله «مثلي في السادسة عشرة» لم يحسن فهم العالم، ولم يعرف ماذا يفعل.

ولقد عرفت أنا منذ اليوم الذي أرسل لي فيه القدر بربايني بائع السحلب ذا النفس القدسية، أن الرجل الذي تتاح له فرصة الالتقاء في حياته بمثل بربايني يجب أن يعتبر نفسه سعيدا، وإن كنت لم ألتق قط من هذا النوع إلا به وحده، ولكن كان فيه الكفاية لتحمل الحياة، بل ومباركتها أحيانا كثيرة، والتغني بالثناء عليها؛ وذلك لأن طيبة رجل واحد أقوى من شرور ألف، فالشر يموت في نفس الوقت الذي يموت فيه فاعله، بينما يظل الخير يشرق بعد اختفاء الرجل العادل الذي فعله.

قصص رومانية · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قصص رومانيةص ٤٥