تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكنني لم أجد غير شبابيك مغلقة، وثابرت ودرت حول الحائط، وانتهيت بأن وجدت نافذة مضيئة، ولم تكن غير غرفة كبيرة مؤسسة بأثاث فاخر لا أحد فيها، وانتظرت خافق القلب بأعلى السلم، آملا دائما أن أرى النساء يمررن تحت بصري.

وفجأة فرقعت خشبة السلم التي كنت جالسا فوقها، وأوشكت أن أسقط، وتجمدت من الخوف، وظللت معلقا على نحو ما عندما جاءت هزة مفاجئة عنيفة أراحتني، فقد انتزع مني السلم، وسقطت بين ذراعي جندي البوليس الذي كال لي اللكمات دون أن يتفوه بكلمة واحدة، وشد وثاقي ووضعت في عربة يجرها حمار اقتيدت فورا إلى دمشق، حيث ألقيت في الحجز الاحتياطي.

والحجز الاحتياطي في تركيا ذلك العهد كان جحر النسيان بالنسبة للرعايا العثمانيين، فالشقي الذي يدخله - وبخاصة بسبب الجرائم الكبيرة كجريمتي - لم يكن يعرف قط متى سيحاكم ما لم يجر شخص ذو نفوذ حاملا الهدايا؛ ليضرع إلى أحد الحكام، ولم يكن أقسى ما يعانيه عندئذ فقدان الحرية، بل الحياة الفظيعة التي يعيشها في داخل هذا الحجز، وبخاصة عندما يكون السجان رجلا شابا.

وفي زنزانتي كنا دستة على سرير مشترك مكون من صف طويل من ألواح الخشب العارية يملأ ثلاثة أرباع الحجرة، وفي أحد الأركان جردل من الخشب بغطاء يذهب إليه كل منا لقضاء حاجته، وتنبعث منه رائحة كريهة خانقة، وقمل الجسم وقمل الرأس والبق الذي لا حصر له، والفئران تمرح في فرق، ولم يعد أحد يهتم بقتلها؛ لأن قتلها يستغرق عمرا كاملا!

وأنواع التعذيب البشعة كانت ترتكب تحت أبصار الجميع، فالترك واليونانيون والأرمن والعرب لم يعودوا رجالا، والحقارة الإنسانية كانت على نحو لا تنعقد المقارنة إلا بينها وبين نفسها؛ وذلك لأن الجنس البشري هو وحده الذي يستطيع أن ينحدر إلى مثل هذا المستوى من بين كائنات الأرض كلها!

في جهنم الأرض هذه ووسط هؤلاء الوحوش وقعت، وكنت غنيمة طيبة بالنسبة إليهم.

لم يقم أحد بالدفاع عني أو حمايتي، لا من بين المسلمين ولا من المسيحيين، وأسوأ من ذلك أنهم تقاتلوا بسبب الفريسة الطازجة، وانتزعوا لحى بعضهم بعضا، وهكذا خلال شهر عرفت أفظع الإهانات التي يمكن أن يتصورها الإنسان!

واليوم لست نادما على الوقوع في هذه المحنة، فبفضلها عرفت أعماق الكائن البشري، وإذا كنت قد ظللت خيرا رغم كل ما رأيته وكل ما عانيته؛ فإنما ذلك احتراما مني لمن خلق الطيبة وجعلها نادرة، ووضعها بين الوحوش كمبرر وحيد للحياة.

كنت أعتبر نفسي مدفونا حيا وأفكر في الموت، ولقد حدث لمسجونين لم يستطيعوا تحمل التعذيب أن شنقوا أنفسهم في قضبان منافذ الهواء الصغيرة بواسطة الأشرطة التي مزقوها من ملابسهم، بينما كان الجميع ينامون في الليل، وكنت مصمما على أن أفعل مثل هؤلاء الشهداء.

ومع ذلك أخذ صوت داخلي يدفعني نحو الأمل، فقد كنت أعرف أنني لم أعد وحيدا في العالم كما كنت من قبل، فهناك في الخارج رجل ذو قلب صديق نادر، وبالرغم من أنه فقير وبغير حماة، فإنه طيب وذكي ولا بد أنه يفكر في ويعمل على إطلاق سراحي.

وكنت على حق؛ فذات يوم فتح باب الزنزانة ودخل الحارس ومن خلفه باربايني، يا لها من سعادة غامرة! وظهور كيرا وحده هو الذي يمكن أن يضفي علي تلك السعادة، ولكن في نفس الوقت أي حزن، فالشر قد أشعل الشيب في رأس الرجل المسكين، وألقيت نفسي على صدره باكيا، وكل ما ظهر من شفقة أمام هذا المشهد المؤلم هو أن صاح رجل يوناني ممدد على سرير: «آه! أيها الشيخ العزيز أهذا ولدك؟ إنه بضاعة جيدة بالنسبة لهذا المكان! فقد تمتعنا به، وها أنت تأتي لتختطفه!»

إنها أخف عقوبة استطعت أن أحصل عليها، فخطؤك جسيم؛ إذ أردت أن تدخل بالليل إلى الحريم، ومع ذلك لا تحزن فسأصحبك، والعالم كبير وسنكون أحرارا، وإذا استمعت إلي في المستقبل ستكون سعيدا على الأرض التركية ... هيا إلى اللقاء استعد لفجر الغد.

قصص رومانية · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قصص رومانيةص ٤٧