وخفض الحاج رأسه وجمع ذيل معطفه، بينما ابتسم الآخران من جديد، وكأن ابتسامتهما الماكرة تريد أن تقول هذه المرة أيضا: إن ناظرنا يجيد الحديث هيا! ... استسلم، لا تحاول أن تقاومه إذا كنت لا تريد أن تسحق ترابا.
واسترسل الناظر يقول: «وها هم الأغنياء الأشرار الذين سيشوون في نار جهنم، وأكياسهم على أكتافهم، وقد ناءوا تحت ثقل ذهبهم وفضتهم.
وسعل الحاج وشد ظلة قلنسوته فوق عينيه، وأدار ظهره إلى لوحة يوم الحساب، وهو يصيح مهددا بقبضة يده الأغنياء الأشرار السائرين في سكون إلى الجحيم: «اجمعوا كنوزا في السماء! ... اجمعوا كنوزا في السماء، فإنه لمن السهل أن يمر جبل من سم الخياط عن أن يدخل غني في ملكوت السموات.»
وظل الناظر هكذا موجها قبضته نحو الحائط، بينما عرى الآخران رأسيهما، ورسما علامة الصليب، وهما يتمتمان: «أيها الرب ! ... إن قدرتك ورحمتك لا حدود لهما.»
وانسحب المعلم الحاج متسللا في هدوء وبطء واختفى، واستأنف الناظر قائلا: «لقد انسحب الحاج ... انسحب ناجيا بنفسه، فهو لا يحب أن يسمع مثل هذا الحديث، وهو لا يضع قط درهما في صندوق الكنيسة «الناظر لديه منها الكثير في الصندوق»، وذلك بالرغم من أن لديه في بيته أكواما من القطع الذهبية ذات الرنين، وهو يدفن في كل حين تحت الأرض قدورا مليئة بالأصفر الرنان، ومع ذلك فليس له في دنياه إلا بنت أخت آواها عندما سافر للحج لكي تحرس بيته الحقير، وهو لا يساهم قط في زواج فتاة أو تطهير بئر، ولا يدفع شيئا لتجميل المذبح الذي يتلقى أمامه الزيت المقدس، آه ... يا له من شقي!»
واشتعلت المناقشة بعد ذلك فورا كأنها اللهب. - الحاج يدفع ... هذا محال؟ وتساءل الناظر: لكأنكم لم تروه قط، وهو يستلل إلى الحانات ومحال البقالة! فهو يدخل ويلتقط خلسة زيتونة يحملها إلى فمه، ويدسها بين أضراسه، ويمضغها في هدوء، ما ثمن هذا الزيتون يا سيدي العزيز فلان؟ - كذا. - هذا ثمن غال ... غال جدا في الوقت الحاضر، فالحياة صعبة، ثم ينصرف ويدخل إلى الدكان المواجه، حيث يختلس قليلا من الكفيار، ويدسه بسرعة في فمه، ثم ... هم ... هم ... ويمضغه في أناة. - كم ثمن هذه البويضات السمكية؟ - كذا ... - هذا الثمن غال ... غال جدا ... والحياة صعبة ... ثم ينصرف ويدخل عند تاجر اللحوم المملحة في الناصية. - أرني قليلا من بضاعتك يا أخي ... وأنت تعرف أنني لم أعد أضع قدمي في دكان فلان.
ويأخذ شريحة من اللحم ويزدردها. - كم الثمن؟ - بالنقود. - كم؟ - كذا. - لقد أصبحت أثمانك لا تطاق والحياة صعبة.
وينصرف ويحس بالعطش؛ فيدخل عند تاجر المشروبات الروحية. - أذقني قليلا من شرابك ... أي نوع منه لديك؟
ويشفط ما تبقى في قاع زجاجة: جلو ... جلو ... جلو! - إنه أردأ من الطافيا! ... من يستطيع أن يشرب هذا؟! ومن يدفع له ثمنا؟! ... آه ... يا له من عصير!
ثم ينصرف، وهكذا يأكل الرجل ويروي ظمأه بينما بيته يطفح ثراء.
ويضحك العجائز: هي هي ... هو هو ... هي هي ... يضحكون حتى الدموع، وينطلقون في الحديث بحماسة، وأحدهم أكثر دهاء من الآخر بغمزات عينه، وهما يلويان طرف شاربيهما الواقفين كخطافين بيضاوين يهددان أنفهما. - إن عنق حذائه يرجع عمره إلى أيام شبابه، وكعب حذائه عندما يتآكل يصلحه بنفسه بواسطة قطعة من الجلد. - في كل مرة يلقاني تتكرر نفس الحكاية: «أعطني سيجارة ... لقد نسيت صندوق سجائري في البيت.»
تصور! إنه لم ينس شيئا على الإطلاق ... إنه يشرب العرق الذي يعده بنفسه، إنه يجمعه في الصيف، ويجففه ويسحقه بين كفيه، ويحتفظ به في خزانة، ثم يشرب طوال الشتاء ويسعل حتى تكاد روحه أن تزهق.
وسأل الناظر - وهو يضحك ويشد في شاربه: هل رأيتم قط ما تحت معطف الحاج؟ طبعا لا، وسأحدثكم عنه، ففي أحد الأيام بعد انتهاء القداس جرى حديث، وكان هناك عدد من الرجال وبعض السيدات، وظل الحاج صامتا على مقعد منعزل وكان يتربص القطعة من الخبز المقدس، وأشار شماس ماكر؛ ليريه على الأرض وعند أقدامنا قطعة صغيرة من النقود، ويقول له: «يخيل إلي يا سيدي الحاج أنها قد سقطت منك، وأنت ذاهب إلى التناول»، ويقفز الحاج فورا ويقترب من القطعة، ويحدجها بنظرة حادة تثبتها في مكانها حتى لتصعب زحزحتها ولو بالقدم، وأخيرا يمد يده ولكن في لحظة انحنائه ليتناولها انفجرنا كلنا رجالا وسيدات ضاحكين ونحن نقف من خلفه، فالحاج كان قد نسي في المنزل سرواله الداخلي، وبلغ ضحكنا حدا لم يجرؤ معه أن ينحني ليلتقط قطعة النقود، فاكتفى بالنظر إليها طويلا والدموع في عينيه، ثم غادر الكنيسة وهو يتمتم: «إنها نقودي! ... إنها نقودي!»