وإذا لم تكن من أبناء المدينة تشممك - ككلاب الصيد - ثلاثة أو أربعة شيوخ ممن يقضون وقتهم في الاستماع إلى غناء تلاميذ معلم المدرسة الشهير نيكوتزا، فاغري الأفواه، وقلنسواتهم على قفاهم، وما أن يحسوا بأنك غريب وأنك لم تزر كنيستهم، حتى يأخذوا في فرك أيديهم، ويأخذوا في السعال لتسليك أصواتهم، وفي غير عجلة وبخطى وقورة يتقدمون إلى لقائك، ويستقبلونك جميعا بنفس الألفاظ في نغمة ممطوطة، والرأس محنية إلى الخلف: «إنك لست من هنا أيها الشاب ... أليس كذلك؟ لعلك أتيت في مهمة سارة؟ ولعلك تبقى حينا طويلا؟ لا شك أنك أتيت لبعض الأعمال؟ ولكن ما رأيك في كنيستنا؟ نعم ... قل رأيك بإخلاص فلن يقطع أحد رأسك.»
وإذا ساقك الحظ السيئ إلى الإدلاء بملاحظات عن تماثيل القديسين الهيكلية المتصلة، وبعضها يحمل الرمح والبعض الحربة، ويمتطي البعض الحصان، بينما يقف البعض الآخر على قدميه، وقد ربع ذراعيه على صدره حتى برزت الأيدي على جانبي الصدر - لرأيت العجائز وقد رفعوا ذيول قفاطينهم؛ ليدسوها تحت أحزمتهم الحمراء، ويقطعون عليك الحديث الذي ابتدأ يجري على لسانك قائلين: «نعم أيها الشاب ... يوجد في العالم مصورون كبار للأيقونات، ولقد رأينا نحن - أيضا - أمثالهم، ولكننا رأيناهم - أيضا - يجنحون نحو الوثنية، فيصورون القديسين بعيون كعيون البشر وأيد وأقدام كأيدينا وأقدامنا، بينما القديسون الحقيقيون هم هؤلاء الذين ألفنا رؤيتهم منذ نعومة أظفارنا، وأما أنتم يا شباب اليوم فإنكم تسخرون من التقاليد ومن الكتب المقدسة بل ومن القديسين أيضا.»
2
ذلك كان رأيهم في ولن تنساهم قط، وسأذكر خاصة عيني ناظر أملاك الكنيسة المجعدتين، وهو يشرح لي لوحات الحوائط، ويضغط بسبابته على صور القديسين، ويصعد التنهدات الكبيرة وكأنه يريد أن يبكي على العصور التي خلت وعلى إيمان الماضي.
كانوا أربعة: ثلاثة منهم كانوا يرتدون معاطف طويلة، وقلنسوات ذات ظلال مصقولة، ولكن كابيه ومجعدة، وأما الآخر الذي كان يسمونه الحاج المعلم، فكان يرتدي معطفا قصيرا من قماش أصفر ناصل ملوث بالزيت، ومبرقش ببقع من الشمع.
أما ناظر الأملاك فلم يتوقف عن الحديث، بينما كان الثلاثة الأخر يسخرون مني وكأنهم يقولون: ماذا تنتظر لكي تعترف بهزيمتك! إن أحدا لا يستطيع أن يقاوم ناظرنا الذي كم رأى من أصناف الناس، وكم مرت به من أحداث.
وقال هذا الأخير مهتاجا: «ماذا تريد أكثر من ذلك؟ أوما يروقك هذا القديس بطرس ومنظره الشجاع فوق الحصان؟ وكيف يقتل هذا التنين الملعون وكأنه لا يبذل مجهودا أكثر مما يبذل في سحق دودة؟ وها هو الشهيد مينا الذي يهزأ من الماكر الشرير، وانظر إلى نيقولا الأسقف القديس وهامته المرفوعة في نبل.
ألا ما أجمل وجه هذا الشيخ وأصفاه! آه يا بني! ستعيش بلا ريب زمنا آخر طويلا، ولكن لن تتاح لك كثيرا فرصة رؤية مثل هذه الروائع! وأما ما تراه اليوم، فالحرس الوطني بريش الدجاج المغموس في اللون الأحمر، وتن تن تن ... إلى اليمين ... إلى اليسار ... انتباه ... مكانك سر! وأما الأماكن المقدسة ... يا للخجل!»
وكان الناظر تلهث أنفاسه ووجهه محتقن؛ فاستسلمت إلى الصمت، والآن ها هو دهيلز الكنيسة وها هي الشياطين التي تبلغ أظافرها ثلاثة أضعاف أصابعها طولا، والرجال ذوو الشعر الأشعث، والملائكة النحاف الطوال، وفوق الجميع الرب نفسه وسط السحب محاطا بقوس قزح.
ولم يعد الناظر يسيطر على نفسه، ووضع يديه فارتدت أكمامه حتى كتفيه، واستأنف بصوت حاد: «انظر كيف تتشبث الشياطين بكفة الميزان التي وضع فيها الأتقياء ولكن عبثا؛ لأن هذه الكفة سترتفع دائما إلى أعلى، فالعمل الطيب يستطيع أن يرجح شيطانين بل أكثر، وأنت تدرك أن هؤلاء - وأشار بأصبعه إلى صف من الرجال العراة البيض كالجليد الذين اتخذوا سبيلهم نحو الجنة - إن هؤلاء كانوا الطيبين المحسنين الذين لم يطمعوا في مال غيرهم، ولم يتمردوا ولم يسرقوا، ولم يتفوهوا عبثا باسم الرب، ولم يشدوا وثاقا غليظا على كيس نقودهم لكي يحكموا تاجه كما يحدث اليوم.»