وتأثر شوقي بكورني أكثر من تأثره براسين، لا يمنع من أنه قد تأثر بالمذهب الكلاسيكي بوجه عام، ويمكن تلخيص أوجه التأثر بالمسائل الآتية: (1)
اختار شوقي لمآسيه موضوعات تاريخية، سواء أكان هذا التاريخ حقيقيا أم أسطوريا، وذلك على نحو ما فعل الكلاسيكيون الفرنسيون،
1
وإذا كان هؤلاء قد استقوا موضوعاتهم من تاريخ الإغريق والرومان القدماء، فإن شوقي قد استقاها من تاريخ مصر وتاريخ العرب، فالاتجاه واحد؛ إذ عاد كل إلى أصوله التاريخية، وإذا كان الفرنسيون قد صبوا في قوالب مسرحياتهم القديمة، عقليتهم ومشاعرهم الإنسانية الحديثة باعتبارها إنسانية عامة، تصح في كافة العصور والأزمان، حتى سمي أدبهم الكلاسيكي بالأدب الإنساني على نحو مطلق، واستبدلوا الآلهة وإرادتها وقضاءها بالدوافع الإنسانية المفطورة في جبلة البشر؛ فإن شوقي كرجل شرقي مولع بالاتجاهات الأخلاقية والروحية، قد غلب تلك الاتجاهات على الدوافع النفسية الإنسانية، واتخذ من مشاغل قومه ومقتضيات بيئته، محركات لمسرحياته، وفسر التاريخ على ضوء تلك الاتجاهات، ونظر إلى الماضي من الوجهة الأخلاقية؛ فكليوباترة لا تغدر بأنطونيو لأنها أحست بأفول نجمه وشروق نجم أوكتافيو، ورغبت في إغواء هذا النجم الصاعد لانحلال خلقها وسيطرة شهوة المجد على نفسها، بل لسياسة وطنية عميقة، هي أن تترك قواد الرومان يفني بعضهم بعضا، لتنفرد هي بعد ذلك بالسيطرة على الشرق والغرب معا، ونتيتاس لا تقبل الزواج من قمبيز فرارا من حبها الفاشل لتاسو، بعد أن انصرف عنها إلى نفريت، بل لتفدي وطنها الذي كان قمبيز يهدد بغزوه والسيطرة عليه، إذا لم يقبل فرعون مصر أن يزوجه من ابنته، وهكذا في كثير من المواطن الأخرى في مسرحياته، ومن البين أن الاتجاهات النفسية عند الغربيين جاءت أكثر عمقا وإيحاء من الاتجاهات الأخلاقية التي اصطنعها شوقي مهما يكن نبل نزعته. (2)
اتخذ شوقي في خمس من مسرحياته الشعر أداة للتعبير، على نحو ما فعل الكلاسيكيون، ومن الغريب أن نراه يستخدم النثر في إحدى مسرحياته، مع أنها وثيقة الصلة بالشعر الأندلسي، ومع أن المعتمد بن عباد أحد أبطالها البارزين، كان شاعرا على نحو ما كان عنترة ومجنون ليلى، حتى لنراه يضمن مسرحيته بعض أشعار ذلك الشاعر الملك، بينما يكتب شعرا الكوميديا الوحيدة التي ألفها وهي «الست هدى» التي تجري حوادثها المعاصرة في حي الحنفي بالسيدة زينب، والنثر بطبيعته أكثر ملاءمة للكوميديا، وأقرب إلى الواقعية في تصوير بيئة شعبية معاصرة، بينما الشعر ألصق بمأساة تاريخية غنائية كمأساة المعتمد بن عباد، ومع ذلك نستطيع أن نغلب حكمنا، فنقول بأن شوقي قد استند إلى الكلاسيكيين، في استخدام الشعر كأداة للأدب المسرحي؛ وذلك لأن الرومانتيكيين مثلا، وإن كانوا قد استخدموا الشعر أحيانا - كما فعل هيجو وفيني - فإنهم قد استخدموا أيضا النثر على نحو ما فعل ألفريد دي موسيه، بحيث لا يمكن القول بأنهم كانوا يفضلون الشعر على النثر، بينما كان الكلاسيكيون يؤثرون الشعر في أدبهم المسرحي. (3)
من المعلوم أن الكلاسيكية تقسم الأدب المسرحي إلى تراجيديا وكوميديا؛ أي مأساة وملهاة، وتختص المأساة بتصوير حياة الملوك والأمراء والأبطال، على نحو ما كانت تفعل المسرحيات الإغريقية القديمة، في تصوير الآلهة وأنصاف الآلهة، فضلا عن الملوك والأبطال، بينما تختص الكوميديا بتصوير حياة الشعب بل ودهمائه، وكذلك فعل شوقي؛ فمآسيه كلها تدور حول حياة الملوك والأمراء والأبطال، مع أن الزمن كان قد سار بالأدب المسرحي شوطا بعيدا، فظهرت الدراما البرجوازية التي تتناول حياة الطبقة الوسطى، التي نهضت بالثورة الفرنسية، وازدادت أهميتها الاجتماعية بعد تلك الثورة العاتية، بل وظهرت الدراما الحديثة على يد إبسن وبرنارد شو، وتناولت تصوير حياة عامة الناس ومشكلاتهم الاجتماعية والإنسانية المختلفة، والظاهر أن شوقي كان أكثر اتصالا بالمسرح الكلاسيكي؛ حيث تنفرد التراجيديا بتصوير حياة الملوك والأبطال، بينما تنصرف الكوميديا إلى تصوير حياة عامة الشعب، ولعل في تاريخ حياة شوقي ما عزز هذا الاتجاه في نفسه؛ فقد كان حريصا دائما على أن يكون شاعر الأمراء كما أصبح أمير الشعراء، وذلك بالرغم من أن تصويره لحياة الشعب في «الست هدى»، ربما كان أكثر صدقا ونجاحا من تصويره لحياة الملوك والأمراء. (4)