ولقد زعم بعض النقاد أن شوقي قد تأثر بالكلاسيكية في ناحية فنية دقيقة، وهي إيثاره للوصف على المشاهد في بعض أحداث مسرحياته؛ فهو مثلا لا يحاول أن يعرض على المسرح حرب أنطونيو مع أوكتاف، أو حرب علي بك الكبير مع محمد علي أبي الذهب، ولكننا في الحق لا نستطيع أن نجزم بصحة هذا التأثر؛ وذلك لأن شوقي ربما حمل نفسه هذا المحمل خوفا من صعوبة إخراج مثل هذه المشاهد الواسعة على المسرح العربي، كما نلاحظ من جهة أخرى أن شوقي لم يحجم عن عرض كثير من المآسي العنيفة على المسرح على نحو ما فعل شكسبير والرومانتيكيون من بعده، إن لم يكن قد بذهم جميعا أحيانا، فكم من الضحايا والانتحارات! وكم من الموتى لم يحجم عن عرض مشاهد موتهم على خشبة المسرح أمام النظارة! فأنطونيو لا ينتحر وحده، بل يسبقه أوروس خادمه، وكليوباترة لا تنتحر وحدها بل تصاحبها وصيفتاها، وإذا كانت هيلانة قد أنقذت، فإن شرميون قد ولت إلى العالم الآخر، وفي عنترة لا يجندل البطل الرجال بسيفه فحسب، بل ويخرون أحيانا لمجرد سماع صيحته، وبوجه عام لا يحجم شوقي عن إراقة الدماء، ونثر الأشلاء على خشبة المسرح، وبذلك لا يمكن القول بأنه قد قصد إلى تنحية مشاهد العنف عن مآسيه، مؤثرا الوصف والرواية على نحو ما فعل الكلاسيكيون. (5)
من المقرر في المسرح الكلاسيكي أن تبنى المسرحية في أساسها، على أزمة تتصارع فيها قوى نفسية وأخلاقية متعارضة، ومن البين أن شوقي قد بنى مآسيه في جملتها على هذا الصراع، وإن ظل أحيانا سطحيا وشلالا يتعمق أغوار النفس البشرية، ولا يشق الحجب عن خفايا العقل الباطن، وعمل الغرائز وشهوات النفس ونزواتها الدفينة، فالصراع قائم في كليوباترة بين حبها ومجدها السياسي، وفي ليلي بين غرامها وتقاليد قومها، وفي عنترة بين القيمة الشخصية للفرد وتقاليد المجتمع، وإن يكن هذا الصراع لا يجري في الغالب بين نزعات النفس المختلفة، بقدر ما يجري بينها وبين التقاليد أو مبادئ الأخلاق، ولكن مسرحه على أية حال، يعتمد في أساسه على الصراع، لا على التصوير والتحليل، كما تعتمد الدراما الحديثة.
ومع أن شوقي قد استمد كل هذه الأصول العامة من الكلاسيكية، إلا أنه لم يتقيد بها في كثير من الأصول الأخرى التي نذكر منها: (1)
من المعلوم أن الكلاسيكية قد تعصبت لما يسمونه «الوحدات الثلاث»، أي وحدة الموضوع والزمان والمكان، بمعنى ألا تحتوي المسرحية إلا على موضوع واحد، وأن تجري أحداثها جميعا في مكان واحد، وفي زمن لا يتجاوز أربعا وعشرين ساعة، وبمراجعة مسرحيات شوقي نجد أنه لم يتقيد بهذه الوحدات؛ ففي «مصرع كليوباترة» حب آخر بين هيلانة وصيفتها وحابي أحد أتباعها، وفي «علي بك الكبير» نجد إلى جوار غدر محمد بك أبو الذهب بسيده، قصة ولع مراد بك بآمال، ثم اكتشافه أخوته لها، ونحن لا نذم الخروج على المعنى الضيق لوحدة الموضوع؛ فقد أثبت الأدب المسرحي الخالد، أنه لا ضير من الخروج على المعنى الضيق لهذه الوحدة، ولكن على شرط أن تكون الموضوعات الثانوية وثيقة الصلة بالموضوع الأصلي، موضحة لبعض الجوانب النفسية أو الأخلاقية لأبطال المسرحية، على نحو ما نجد عند شكسبير مثلا، حيث تندمج الموضوعات الجانبية في الموضوع الأصلي، وتكشف عن جوانب في الشخصيات لا يكشف عنها ذلك الموضوع الأصلي، وأما عن وحدتي الزمان والمكان، فمن البين أن شوقي لم يخضع لهما، ففي مسرحية واحدة ك «علي بك الكبير» تنتقل مشاهد الرواية من القاهرة إلى عكا إلى الصالحية، ومن البين أن مثل هذا الانتقال لا يمكن أن يتم في أربع وعشرين ساعة، ونحن لا نرى ضيرا في خروج شوقي على هاتين الوحدتين، اللتين نسبهما الكلاسيكيون إلى أرسطو تعسفا وبهتانا، وإنما يضير المؤلف المسرحي تفكك مسرحياته، بانعدام وحدة الموضوع وتوثق الارتباط بين أحداثه المختلفة، إذا تعددت تلك الأحداث. (2)