تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

خدعوها بقولهم حسناء

والغواني يغرهن الثناء

وكانت العادة قد جرت عندئذ بأن تنشر مدائح الخديوي في الجريدة الرسمية، فأرسلت السراي هذه القصيدة إلى الشيخ عبد الكريم سلمان المشرف على الوقائع، وطلبت إليه أن يحذف الغزل وينشر المديح، ولكن الشيخ سلمان، كان كما يبدو، أديبا ذواقا، فرأى أن الغزل هو الذي يستحق النشر، والمدح هو الذي يستحق الحذف، وكانت النتيجة أن لم ينشر شيء من القصيدة إطلاقا.

وكان شوقي كثير التردد على مسرح الكوميدي فرانسيز في باريس، حيث شاهد الكثير من روائع الأدب التمثيلي الكلاسيكي والرومانتيكي والمعاصر، فأولع بهذا الفن، وعن له أن يحاكيه، وبالفعل وضع وهو لا يزال يطلب العلم بباريس، أولى مسرحياته وهي «علي بك»، وأرسلها إلى السراي، وتلقى من رشدي باشا ما يفيد أن الخديوي قرأها، وناقشه في بعض أجزائها وتفكه بها، وكان هذا هو كل تقدير الخديوي لها، ومن البديهي أن الخديوي كان أحرص على مدح الشاعر له، وتخليد ذكره من قراءة أو مشاهدة مسرحيات لربيبه الشاعر؛ ولذلك طواها شوقي بين أوراقه، إلى أن رجع إليها في أواخر حياته، عندما انصرف إلى الأدب المسرحي بمعظم جهده، فأعاد كتابتها من جديد على الوضع الذي نعرفه الآن.

وينبئنا شوقي نفسه أنه لم يتأثر بالأدب التمثيلي الغربي الفرنسي فحسب، بل وتأثر أيضا بالشعر الغنائي، وبخاصة الرومانتيكي، فنقل إلى العربية قصيدة «البحيرة» الشهيرة للامارتين، كما تأثر أيضا بحكايات لافونتين على لسان الحيوانات وحاكاها، فألف عدة حكايات مماثلة أو مقتبسة نشرها في ديوانه الأول، ورأى فيها وسيلة طيبة لتهذيب الأطفال.

وإذن فقد تأثر شوقي بالأدب الغربي تأثرا كبيرا، وانفعلت به نفسه منذ شبابه الغض، ولكن ارتباطه بالسراي وطموحه إلى أن يصبح شاعرها من جهة، وشدة حذره وتخوفه من التجديد، والخروج على الأوضاع المتوارثة والتقاليد الأدبية المرعية، حالت بينه وبين الخروج إلى آفاق الأدب الواسعة، والسير في تيار الأدب التمثيلي، الذي وقف فيه عند محاولته الأولى في «علي بك»، ولم يعد إلى هذا الفن إلا في أخريات حياته، بعد أن ظهرت تيارات النقد الأدبي الحديث في الأدب العربي، وأخذ عليه النقاد سيره في الدروب المطروقة، وعدم خروجه عنها، فألف للمسرح «مصرع كليوباترة» و«مجنون ليلى» و«قمبيز» و«عنترة» و«علي بك الكبير» شعرا، و«أميرة الأندلس» نثرا، وفي سنته الأخيرة عالج الكوميديا أيضا، فوضع شعرا «الست هدى»، التي لا تزال مخطوطة حتى اليوم، ويحدثنا ابنه الأستاذ حسين شوقي في كتابه «أبي شوقي»، عن شروعه في تأليف روايتين أخريين؛ إحداهما عن «البخيلة»، والثانية عن «محمد علي الكبير»، وكتب منهما أجزاء يظهر أنها فقدت، وإن كان ابنه يظن أن والده قد خلفهما عند الدكتور سعيد عبده، الذي كان يكثر من صحبته.

من هذه اللمحة التاريخية يتضح أن شوقي قد عرف الأدب الغربي، بما في ذلك الأدب المسرحي، ولكن، هل يمكن تحديد الكتاب أو المذاهب التي تأثر بها الشاعر؟ للجواب على هذا السؤال، لا نجد اعترافات خاصة من الشاعر، ولا من المحيطين به، الذين كتبوا عنه كابنه في «أبي شوقي» أو الأستاذ أحمد عبد الوهاب أبو العز سكرتيره في «اثنا عشر عاما في صحبة أمير الشعراء»، ولا في ذكريات الأمير شكيب أرسلان في «أحمد شوقي أو صحبة أربعين عاما»، ولكننا نستطيع بدراسة مسرحياته وفنه فيها أن نستنتج تأثراته المختلفة.

والواقع أن شوقي لم يأخذ أصول الأدب المسرحي عن كاتب واحد، ولا عن مذهب بعينه، بل جمع بين عدة اتجاهات غربية، وأضاف إليها اتجاهات أخرى شرقية عربية، وهو يميل بعقليته الشرقية وتراثه الثقافي في داخل المذهب الواحد، إلى أديب دون آخر، فنراه مثلا يتأثر بالكلاسيكية الفرنسية، ولكنه يميل إلى ناحية كورني أكثر من ميله إلى ناحية راسين، ونراه يود أن يتخذ من المسرح «مدرسة لعزة النفس والإباء ونبل الأخلاق»، على نحو ما فعل كورني، وإذا كان قد تحدث عن الغرام والجنون به، فإنه لم يصوره قط على ما فعل راسين، بل أخضعه، في الغالب، لمبادئ الأخلاق وسطوة التقاليد، بما فيها من عادات مرعية ومشاعر وطنية أو قلبية؛ فكليوباترة تضحي بحبها في سبيل وطنها، وتضع مجده فوق «عبقري جمالها»، وليلى تضحي بغرامها نزولا على التقاليد العربية، التي لا تبيح زواجها بمن شبب بها وفضح غرامه بها، ونتيتاس تضحي بنفسها زوجة لقمبيز فداء لوطنها، وإن كان هذا الاتجاه الأخلاقي لم يخل من اضطراب وشوائب وتناقض أحيانا في مجموع مسرحياته؛ إذ ترى عبلة مثلا لا تعبأ بتلك التقاليد ولا تؤثر على عنترة أحدا، مع أن تلك التقاليد كانت أشد قوة في حالة عنترة منها في حالة قيس ليلى، وذلك بحكم أن عنترة كان ابنا لزبيبة الأمة الزنجية، بينما كان قيس عربيا خالصا من بني عامر، ولكن هذا التناقض لا ينحي عن مسرح شوقي طابعه الأخلاقي العام، ولا يدخله في تيار المسرح التصويري النسبي الذي يتميز به راسين، «مصور الشهوات البشرية».

محاضرات عن مسرحيات شوقي: حياته وشعره · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن مسرحيات شوقي: حياته وشعرهص ٥