تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والظاهر أن المشرق العربي، وبخاصة لبنان، قد كان كعادته سباقا في مجال التجديد في الأدب العربي، فهناك عدد من اللبنانيين يمكن أن يعتبروا روادا في مجال الأدب المسرحي الحديث، وفي طليعتهم مارون نقاش، ولكن هذا التجديد، بل ونفر من هؤلاء المجددين، لم يلبثوا أن انتقلوا إلى مصر، كما انتقلت الصحافة؛ حيث المجال أوسع، والإمكانيات المادية والبشرية أكثر رحابة، وفي مصر ظهرت عدة محاولات في النقل والتحوير وأحيانا الابتكار، على نحو ما فعل محمد عثمان جلال، وغيره في نقل المسرحيات الفرنسية، وبخاصة كوميديات موليير، التي تماشي المزاج المصري المولع بالفكاهة والنكتة اللاذعة، كما وضعت بعض المسرحيات المستقاة من التاريخ، وتخللتها مقطوعات غنائية مجاراة للمزاج المصري أيضا، ومن الثابت أن هذين النوعين من الأدب المسرحي، أعني الكوميديا والمسرحية الغنائية، هما أقرب أنواع الأدب المسرحي إلى المزاج المصري، ولعل في نجاح مسرح سلامة حجازي وعكاشة، ثم مسرح الريحاني أكبر دليل على صحة هذا الرأي.

وأخيرا قيض الله للأدب العربي شاعرا كبيرا، ألم إلماما واسعا عميقا بالتراث العربي، فنسج على غراره أروع القصائد، ثم اتصل بالغرب حيث رحل لتلقي العلم في فرنسا، فشاهد مسارحها وحدثته نفسه الطموح، أن يدخل هذا الفن الرائع في آداب العرب، فوضع سنة 1893، وهو لا يزال يطلب العلم أولى مسرحياته الشعرية، وهي «علي بك الكبير»، وإن يكن قد عاد بعد ذلك بعشرات السنين فكتبها من جديد، وأعطاها وضعها النهائي، وهذا الشاعر هو أمير الشعر العربي الحديث أحمد شوقي بك.

| التياران الشرقي والغربي في مسرح شوقي

رأينا فيما سبق كيف أن العرب القدماء لم يعرفوا المسرح ولا الأدب التمثيلي، مما يقطع بأن المحدثين منهم أخذوا بلا شك هذا الفن الأدبي عن الغرب، ومع ذلك فمن المؤكد أنهم لم يستطيعوا التخلص من اتجاهاتهم النفسية والمتوارثة، ولا من خصائص تراثهم الأدبي، عندما أخذوا يعالجون هذا الفن الجديد؛ بحيث يتحتم تمييز التيارين الشرقي والغربي، في مسرح الشاعر العربي الأصيل أحمد شوقي.

وإذا كان مسرح شوقي يقوم في هيكله الفني العام، من حيث إنه يتناول في كل مسرحية موضوعا، يعرضه بواسطة شخصيات تتحرك وتتحاور على خشبة المسرح، ويتطور الموضوع إلى أن يصل إلى أزمة، ثم ينتهي بحل تلك الأزمة على نحو ما، فإن الروح التي يتناول بها الأديب هذا الموضوع وأنواع الأفكار والأحاسيس والاتجاهات الأخلاقية، فضلا عن أسلوب العلاج ووسائله العقلية والجمالية، قد كانت بحكم الضرورة والتراث الموروث والتركيبات النفسية شرقية عربية، ولا بد في تحليل هذا المسرح تحليلا صحيحا، من أن نتبين عناصر كل من الاتجاهين الغربي والشرقي وتفاعل أحدهما مع الآخر.

أما عن التيار الغربي فمما لا شك فيه أنه لولا ما شاهده أحمد شوقي في فرنسا، بصفة خاصة من ألوان هذا الفن، لما خطر بباله أن يلج بابه، ومن يطلع على المقدمة التي كتبها شوقي للجزء الأول من شوقياته سنة 1898، يلاحظ بوضوح أن الشاعر قد أخذ بألوان الأدب الغربي، بمجرد أن استقر به المقام في فرنسا، حيث أرسله خديوي مصر توفيق باشا في بعثة لمدة أربع سنوات، ليدرس فيها الحقوق، ويطلع على الآداب الفرنسية، حتى يعود منها بقبس يشعل أضواء جديدة في الآداب العربية، على نحو ما قال وزير مصر رشدي باشا، في خطاب أرسله إلى الشاعر على لسان الخديوي، بل. لقد بلغ الأمر بذلك الخديوي أن حث الشاعر على أن يمعن النظر في دراسة معالم الحضارة والثقافة الفرنسية، أكثر من اهتمامه بدراسة القانون التي قال الخديوي للشاعر عنها: إنه يستطيع تحصيلها من الكتب، وهو مستقر في بيته بمصر.

ولقد لاحظ الشاعر منذ حداثته ما ابتلي به الشعر العربي من ضيق الأفق، بسبب اقتصاره في الغالب على المدح، واعتماد شعراء العربية على الملوك وذوي السلطان في رواج بضاعتهم، وود الشاعر أن لو استطاع أن يخرج من هذا الأفق الضيق الذليل، إلى مجالات الشعر الرحبة الطليقة، ولكنه لسوء الحظ كان من جهة رجلا طموحا مدينا للخديوي بأفضال كبيرة، كما كان من جهة أخرى رجلا حذرا يخشى الخروج على الأوضاع والتقاليد الثابتة المتوارثة، حتى ليقول في المقدمة الآنفة الذكر: إنه تبين «أن الأوهام إذا تمكنت من أمة كانت لباغي إبادتها كالأفعوان لا يطاق لقاؤه، ويؤخذ من خلف بأطراف البنان.» وهو يقصد بالأوهام هنا التقاليد المرعية والاتجاهات المتوارثة؛ ولذلك نراه يخضع لهذه التقاليد بالرغم من ثورته النظرية عليها، ويعترف في صراحة بأنه كمن ينهى عن شيء ويأتي مثله، ويبرر مخاوفه تلك ببعض محاولات قام بها؛ لإخراج الشعر من أفقه الضيق المحدود بالمديح، إلى آفاق أوسع، فيقول إنه أراد أن يحتال للأمر بأن يستبقي المديح، على أن يجمع في القصيدة بينه وبين الشعر الطليق المعبر عن خوالج قائله الشخصية، وبالفعل أرسل إلى الخديوي قصيدة مدح استهلها بما يشبه قصيدة مستقلة في الغزل وتحليل نفسية المرأة وهي التي مطلعها:

محاضرات عن مسرحيات شوقي: حياته وشعره · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن مسرحيات شوقي: حياته وشعرهص ٤