والواقع أن تاريخ كليوباترة طويل حافل بالأحداث الدراماتيكية، وليس من الممكن، ولا من المعقول أن يحشد مؤلف مسرحي كل أحداثه في مسرحية واحدة، كما أنه لم يقل أحد بضرورة التزام المؤلف المسرحي لتفاصيل الحوادث التاريخية؛ إذ المشاهد في تاريخ الآداب المسرحية أن المؤلفين لا يلتزمون إلا بالأحداث الكبرى التي يصدم الخروج عليها عقول الجماهير ومشاعرها، وأما ما دون تلك الأحداث الكبرى من تفاصيل وبواعث، فللمؤلف المسرحي الحرية المطلقة في التصرف فيها وفقا لمقتضيات فنه وضرورات الهدف الذي يرمي إليه، وها هو كاتب عالمي كبير كبرناردشو يختار لإحدى مسرحياته الشهيرة فترة من حياة كليوباترة، تتناول علاقتها بيوليوس قيصر، ومغامرتها الشهيرة معه، فيقلب التاريخ رأسا على عقب، ويجعل من يوليوس قيصر مثال الشيخ الحكيم المسيطر على نفسه سيطرة تامة، بل المترفع المحلق، كما يجعل منه مثال الحاكم الرحيم الذي يعرف كيف يسوس البشر بحكمة مثالية، فهو ينظر إلى كليوباترة كطفلة صغيرة، بل كقطة يداعبها في ترفع، ويغادر مصر في نهاية المسرحية، وكليوباترة تبكي كالطفلة التي تفارق أباها، أو كالقطة التي تفارق سيدها، وأما ما يرويه التاريخ من غرام يوليوس قيصر بكليوباترة، بل وإنجابه منها ابنه قيصرون الشهير في التاريخ، وإثارة الرومانيين ضده، وبخاصة أعضاء السناتو بسبب هذا الغرام العابث، إثارة كانت من ضمن الأسباب التي أدت إلى اغتياله، فكل هذا لا يحفل به شو، ولا يقيم له وزنا، وعندما نرى هذا من شو لا نجد محلا لأن يأخذ النقاد في مماحكة شوقي باسم التاريخ، فيدعون أنه قد أفسد التاريخ عندما زعم في مسرحيته أن كليوباترة لم تنسحب من معركة أكتيوم البحرية، أو من معركة الإسكندرية البرية عن جبن أو خيانة لأنطونيو، بل لسياسة عليا رسمتها لتحقيق مجد مصر الذي رأته يتحقق بأن تترك الرومان يفني بعضهم بعضا، فيخلو لها الجو، وتستطيع أن تسيطر على العالم، وأن تحل الإسكندرية محل روما، أو عندما زعم أنها لم تكن مسئولة عن الخبر الكاذب الذي وصل إلى أنطونيو عن انتحارها، وجعل المسئول عنه طبيب كليوباترة الكاذب المتآمر، أو عندما غير في هذه الجزئية أو تلك من جزئيات التاريخ، فالمؤلف المسرحي ليس مؤرخا، ولا يطالب بأن يكون مؤرخا، وإنما هو أديب، له أن يتصرف في جزئيات الحياة المعاصرة عندما يأخذ في تصويرها، وكل ما يمكن أن يؤاخذ به هو مدى توفيقه في استخدام التاريخ لتحقيق الأهداف الفنية والإنسانية، التي يسعى إليها في تأليفه المسرحي.
وبمقارنة مسرحية شكسبير بمسرحية شوقي نجد اختلافا جوهريا يرجع إلى المنهج الفني وإلى الأهداف الإنسانية، فشكسبير حرصه الأول منصب على تحليل المشاعر الإنسانية؛ ولذلك نراه يحرص في مسرحيته على الوقائع التاريخية التي تسعفه، دون تقيد بأي قاعدة أو أصل من الأصول المسرحية التي نادت بها الكلاسيكية فيما بعد؛ ولذلك نراه يستغل حادثة زواج أنطونيو من أوكتافيا أخت أكتافيوس خصم أنطونيو اللدود، ويتخذ من هذا الزواج سببا من أسباب إشعال نيران الحرب بين القائدين الرومانيين، وسببا لتحريك عنصر الغيرة في نفس كليوباترة، كما كان سببا لتحريك حفيظة أوكتافيوس ضد أنطونيو وكليوباترة انتقاما لأخته المهجورة، ولا يجد شكسبير حرجا في أن ينقل مكان المسرحية من الشرق إلى الغرب، ومن الإسكندرية إلى روما وصقلية وبلاد اليونان، تبعا لانتقال الأحداث بعد وفاة زوجة أنطونيو الأولى، وسفره من مصر إلى إيطاليا، حيث تم الصلح بينه وبين أوكتافيوس، كما تم زواجه من أخته، ثم هجره لهذه الزوجة الجديدة وعودته إلى كليوباترة، واشتعال الحرب بينهما وانهزام أنطونيو وكليوباترة وانتحارها، وذلك بينما يغفل شوقي هذه الحادثة التاريخية الهامة، ولعله أراد أن يجاري في ذلك الكلاسيكيين الفرنسيين الذين يحرصون على مشاكلة الواقع في حدود تمثيل المسرحية لقطاع محدد من الحياة؛ ولذلك ينفرون من أن يجمعوا في المسرحية الواحدة بين الشرق والغرب، وبين أطراف الزمن المتباعدة؛ ولذلك ضيق شوقي من حدود الزمان والمكان، واكتفى بأن يجري مسرحيته حول الحوادث التي وقعت في أكتيوم والإسكندرية بعد عودة أنطونيو، بل واستعاض بالقصص عن المشاهدة على نحو ما يفعل الكلاسيكيون، فنراه يكتفي بوصف معركة أكتيوم الحربية، ومعارك الإسكندرية البرية، وهذا الوصف ليس بدعا في الفن المسرحي، وله نظائره عند كبار الكتاب الكلاسيكيين كراسين وغيره، ولقد يبلغ الوصف الفني الناجح أكثر مما تبلغه المشاهدة في إثارة القارئ أو المشاهد، على نحو ما نرى في مسرحية شهيرة كمسرحية «فدر»، إذ يقص راسين حادثة مصرع بطلها هيبوليت قصصا يفوق في قوة إثارته مشاهدة البصر، وبذلك يتجنب بشاعة المنظر دون أن يفقد عنصر الإثارة، التي يسعى إليها كل مؤلف مسرحي، ويصل إليها بوسائله الخاصة، فيؤثر الكلاسيكي الوصف، بينما يؤثر الرومانتيكي المشاهدة، ولا يتردد في أن يعرض على خشبة المسرح أبشع المناظر، وأشدها عنفا، فيريق الدماء، وينثر الأشلاء أمام المشاهدين.