عجيب يا طبيب أرى قتيلا
ولكن لا أرى أثر الجراح
فقد أجرى شكسبير نفس المعنى على لسان قيصر حيث يقول:
The manner of their death?!
I do not see them bleed.
التي يترجمها محمد عوض إبراهيم بك بقوله: «هل لي أن أعرف وسيلة موتهن؛ لأني لا أرى آثار الدم عليهن.»
وهي ترجمة تظهر إلى جانبها براعة شوقي الذي احتفظ للاستفهام في النصر الإنجليزي بمعناه الذي يجمع بين السؤال والدهشة، بل وغلب الدهشة على السؤال على نحو ما يفعل النص الإنجليزي. (3)
وأما المصدر الثالث فهو مشاعر شوقي الشخصية والهدف الذي رمى إليه من كتابة هذه المسرحية، وهذه المشاعر وذلك الهدف نجدها مبسوطة مفصلة في النظرات التحليلية التي أرفقها شوقي بمسرحيته، إذ نراها تفصل المواضع التي جانب فيها شوقي التاريخ، وتبرر هذه المجانبة بحرص شوقي على أن يرد إلى كليوباترة كملكة مصرية، اعتبارها أمام التاريخ، وأن يدافع عن سمعتها، وهذا العنصر هو الذي سيطر على شوقي في كتابة مسرحيته، وخالف بينها وبين التاريخ من جهة، وبين المسرحيات الأوروبية التي تناولت هذا الموضوع من جهة أخرى.
والذي لا شك فيه أن شوقي عند كتابة هذه المسرحية قد كان شديد الحرص على أن يحظى بتصفيق الجماهير المصرية وإعجابها؛ ولذلك حاول أن يرضي مشاعرها الوطنية، ومع ذلك أخطأ السبيل؛ وذلك لأنه وإن يكن قد تحرر في الفترة الأخيرة من حياته إلى حد ما من تبعيته للسراي والأسرة المالكة، كما أخذ يتقرب إلى الشعب المصري منذ أن أثبت وجوده بثورة سنة 1919 الرائعة، إلا أنه ظل مع ذلك يرى في ملوك مصر بؤرة الوطنية ورمزها الأول، حتى خيل إليه أن دفاعه عن ملكة حكمت مصر يعتبر دفاعا عن الوطنية المصرية، ولكنه نسي أن كليوباترة اليونانية الأصل لم تكن مصرية، بل سليلة الغزاة الذين - وإن استقلوا بحكم مصر - إلا أنهم ظلوا دائما يستعلون على المصريين، ويشعرون إزاءهم بعزة الغزاة، حتى كانوا يحرمون الزواج من المصريين واليونانيين، كما أثبتت الوثائق التي اكتشفت في نيوقراطيس بمديرية البحيرة، وقد اشتهرت أسرة البطالمة ذاتها بالقسوة والغدر والانحلال، حتى كان الواحد منهم يقتل أباه أو أخاه طمعا في الملك على نحو ما حدث في تاريخ كليوباترة ذاتها، إذ تزوجت بأخيها الأصغر، ولم يمنعها ذلك من التآمر عليه والاستعانة بالرومان للفتك به والاستئثار بالملك دونه، وبالضرورة لم يستطع شوقي أن يطمس كل هذه الحقائق التاريخية، التي تتجمع إلى جوار انحلال كليوباترة الشخصي، وخضوعها لمطامعها الجامحة وشهواتها الحيوانية، فتجعل منها شخصية حقيرة بغيضة لدى المصريين، والراجح أن شوقي قد أحس في غموض بهذه الحقيقة النفسية الكبيرة، فحاول أن يصور شيئا من حقيقة شعور المصريين عندئذ ضد هذه الملكة الداعرة، وصور هذه الحقيقة عند بعض الشخصيات المصرية الثانوية في المسرحية، وبخاصة شخصية حابي الذي لا يتورع في مطلع الرواية عن أن يعلن تمرده على كليوباترة ومخازيها، ولكنه لسوء الحظ لا يلبث أن يستخذي، وأن ينسى تمرده وكرامة وطنه بعد أن أرسلت كليوباترة له حبل الغواية؛ لكي يهيم غراما هو الآخر بهيلانة الوصيفة اليونانية، بل وأجهزت عليه كليوباترة، إذ منحته هو وعشيقته ضيعة بصعيد مصر، فأفقدته فكرة الحياة فيها مع عشيقته كل تمرد وكل وطنية مصرية ثائرة لكرامتها، وبذلك جعل منه شوقي ممثلا سيئا للشعب المصري، الذي صوره شوقي شعبا سلبيا منساقا من السهل تضليله؛ إذ هو كما يقول: «ببغاء عقله في أذنيه»، حتى لنراه عند شوقي «يصفق لمن شرب الطلا في تاجهم، وأحال عرشهمو فراش غرام»، ولقد يكون في هذه الأوصاف شيء من الصدق، ولكنها على أيه حال تتنافى مع الهدف الذي رمى إليه شوقي، وهو إرضاء عاطفة الوطنية عند المصريين، واكتساب إعجاب الجماهير، وهي قد تكون مفهومة، بل ورائعة عند كاتب واقعي كشكسبير أو غيره، ممن يتخذون لهم هدفا الكشف عن الحقائق الإنسانية مهما تكن قاسية مظلمة، وأما أن يريد شوقي تملق العواطف الوطنية، ثم يأخذ في الدفاع عن كليوباترة الملكة اليونانية الفاجرة، ودمغ الشعب المصري بهذه الصفات، وتحقير ممثله فذلك ما لا نراه متسقا مع هدفه.