لم يخرج شوقي إذن على أصول الفن المسرحي ومواضعاته في معالجة التاريخ، ولا نرى من الإنصاف مماحكته في ذلك، ولكننا لا نستطيع إغفال مساءلته عن مقدار نجاحه في الهدف الذي اختاره وحدده لنفسه، على النحو الذي ارتضاه، وهو رد اعتبار كليوباترة أمام التاريخ، إثارة عطف الجماهير عليها، وهذا هو موضع إخفاقه الأساسي، فنحن نخرج من المسرحية وليس في نفوسنا أي عطف، ولا في عقولنا أي تقدير لهذه الملكة العتيدة، وإن كنا نحسب أن شوقي كان فيما يبدو يتوقع العكس، وذلك بدليل أنه قد حرص على أن يجعل للمسرحية ذيلا قد يوهم بأنه من نوع الحيل المسرحية، التي اشتهرت عند شكسبير بما يسمى بالترويح
Relief ، إذ نراه يحرص على أن تتخلل بعض مآسيه العاتية مناظر أو أحداث مضحكة أو سعيدة، يحاول أن يخفف بها من وقع مآسيه العاتية، ولعل قصة غرام حابي وهيلانة، قد ظنها شوقي وسيلة من وسائل الترويح الشكسبيري، حتى لنراه يحرص على متابعة هذه القصة الجانبية حتى بعد انتهاء المأساة بانتحار أنطونيو وكليوباترة، فنراه يهيئ لهيلانة من ينقذها من سم الأفعى الذي اختارته مجاراة لسيدتها، فتصحو من السم، وتنصرف من المسرح مع حابي إلى الضيعة التي منحتها لهما كليوباترة، وكأن شوقي قد أراد بهذه الأقصوصة أن يروح عن المشاهدين وأن يخفف عن نفوسهم وقع مأساة ملكتهم كليوباترة، ولكننا في الحقيقة لا نستشعر هذا الوقع في نفوسنا أو نفوس غيرنا من المشاهدين، بل لعل هذه الأقصوصة الدخيلة قد أطاحت بما يمكن أن تكون المأساة الأصلية قادرة على أن تحدثه في النفوس.
ولعل سبب إخفاق شوقي في إحداث الأثر النهائي المنشود، راجع إلى اضطرابه في وصف وتحليل شخصياته الروائية، على نحو يستطيع أن يحقق المشاركة الوجدانية المطلوبة بينها وبين المشاهدين أو القراء، بحيث يعجبون بمظاهر القوة والعظمة في نفوسهم، ويلتمسون العذر لمواضع الضعف أو السقوط، وبخاصة إذا ذكرنا أن هدف شوقي الأساسي لم يكن التحليل النفسي الإنساني لذاته، بل إثارة الشعور الوطني والإعجاب القومي، وأوضح ما يكون هذا الفشل في تصوير شخصية كليوباترة نفسها على نحو يشعرنا بأنها غير مؤمنة على الإطلاق بأي شيء مما تقول، فهي أحيانا ملكة مصر التي تضحي في سبيلها بكل شيء حتى «بعبقري جمالها»، وهي أحيانا ملكة طموح تعمل لمجدها الشخصي، وتضحي بكل شيء في سبيله، وهي أخيرا شهوانية اللذات تستعبدها غرائزها، وتسيطر على حياتها، وبين كل هذه الاتجاهات تضطرب حياتها وتختلط تصرفاتها، بحيث يحس المشاهد أو القارئ بأنها كاذبة في كل ما تقول، وليس هذا الشعور ناتجا عن تقلب مشاعرها وتغير حالاتها النفسية، فهذه التقلبات حقائق نفسية كثيرا ما نصادفها في الحياة، وفي روائع المؤلفات الأدبية، ولكنها تكون تقلبات صادقة لها ما يبررها من الأحداث، وأما كليوباترة عند شوقي فلا تحس الصدق في حالاتها المتقلبة، ولا نلمس مبررات هذا التقلب وضروراته.
وفي الحق أن تصوير الشخصيات والنجاح في هذا التصوير، إلى الحد الذي يشبه خلق الحياة هو مصدر المشقة الكبرى في التأليف المسرحي والقصص، وهو الغاية التي لم يصل إليها غير عباقرة الأدب، الذين لم ينجحوا في تصوير الحياة فحسب، بل ونجحوا أحيانا في خلق تلك الحياة أو خلق ما هو أعمق من الحياة الظاهرة، وأوضح خطوطا، وما نظن من العدل أن نطالب رائدا كشوقي بأن يصل إلى ما وصل إليه شكسبير وأضرابه.
| قمبيز
قلنا: إن شوقي قد رجع إلى تاريخ مصر وتاريخ العرب، يستقي منهما موضوعات لمآسيه، وإنه قد اعتمد على العاطفة الوطنية؛ لتحقيق المشاركة الوجدانية التي لا بد منها لنجاح الفن المسرحي، ثم رأينا أنه لم يوفق في إثارة عطفنا على «كليوباترة»، فضلا عن إعجابنا بها.