ليس من شك أن شوقي قد اصطدم بحقائق التاريخ التي ترسم لحكم المماليك صورة قاتمة، لم يصطدم فيها الخير بالشر، بل طغى الشر واستشرى في النفوس حتى لون مظاهر الخير ذاتها، فكرمهم وبرهم بالفقراء وعنايتهم بدور العلم والعبادة لم تكن خالصة لوجه الله والشعب، وإنما كانت إما للمباهاة، وإما لاصطياد ثقة الشعب وتسخيره في تحقيق شهواتهم وغدر بعضهم ببعض، ولكن شوقي هو المسئول عن هذا الاختيار، بل قد كان في استطاعته أن يجري الصراع بين الشعب وهذا الفساد، حتى لو بانتصار الفساد؛ لأن عطفنا عندئذ سيتوفر على جانب واحد وهو جانب الشعب، وبذلك نتأثر وننفعل، ولكن الظاهر أن إحساس شوقي بالشعب وإيمانه به كان محدودا، وذلك فضلا عن أن ما كتب إنما هو تاريخ الملوك في مصر، لا تاريخ الشعب الذي لا يزال مجهولا إلى حد بعيد عن عمد أو غير عمد، ولم يظهر هذا الشعب وتظهر صفاته الكريمة الأصيلة إلا عندما أخذ الجبرتي يكتب يومياته، ويسجل بطولة هذا الشعب منذ الحملة الفرنسية ومقاومته لها مقاومة رائعة، ولا شك أن هذه البطولة لم تولد فجأة في عهد الجبرتي، بل كانت لها أصولها السابقة منذ عهد المماليك، ولقد صور بعض الرحالة الأوربيين جانبا من أخلاق ذلك الشعب الطيبة خلال تلك العصور المظلمة، ولكن شوقي فيما يظهر لم يضن نفسه في الرجوع إلى قصص مثل تلك الرحلات.
| مصرع كليوباترة
منذ أن نشر شوقي في سنة 1893 مسرحية «علي بك الكبير» في طبعتها الأولى، لم يعد إلى المسرح إلا في سنة 1927، حيث نراه ينشر «مصرع كليوباترة»، ومنذ ذلك الحين توالت مسرحياته إلى أن توفي في سنة 1932.
ولقد كان موضوع كليوباترة من الموضوعات التي تداولتها أقلام كتاب المسرح منذ عهد النهضة الأوروبية حتى القرن العشرين؛ ففي الأدب الفرنسي يستطيع الباحث أن يعثر على سلسلة من المسرحيات التي تتناول بعض نواحي هذه الشخصية شبه الأسطورية، وذلك ابتداء من «جودل»، في مستهل عصر النهضة، إلى «فيكتوريان ساردو» في أوائل القرن العشرين، وفي إنجلترا لن نعدم سلسلة مماثلة تمتد من شكسبير إلى برنارد شو في العصر الحديث، بل وتناولها الموسيقيون مؤلفو الأوبرا، ولعل أوبرا «مسنية» التي ألفها سنة 1919 من خير ما لحن الملحنون لترجمة تلك القصة ألحانا وأنغاما.
وليس من اليسير أن نحدد المسرحيات الأوروبية التي يحتمل أن يكون شوقي قد اطلع عليها أو أفاد منها من بين تلك السلاسل الطويلة، وهذا بحث طويل الأمد، بل ونخشى ألا يسفر عن نتائج محققة؛ لأننا لم نعلم عن شوقي تبحرا في مطالعة الآداب الغربية أو دراستها، والمقارنة بينها والإفادة منها؛ ولذلك ربما كان من الخير الاكتفاء في هذا البحث بما هو واضح من أن شوقي قد اعتمد في كتابة مسرحيته على ثلاثة مصادر: (1)
التاريخ الذي يلوح أنه قرأه في أحد الكتب الفرنسية أو العربية، التي تناولت تاريخ مصر أو تاريخ الدول الشرقية في العصر القديم، أو تخصصت في تاريخ البطالسة في مصر، وهناك احتمال كبير في أن اعتماده الأول قد كان على كتاب عالم المصريات الكبير مسبيرو، في كتابه «تاريخ شعوب الشرق في العصر القديم». (2)
مسرحية «أنطونيو وكليوباترة» لشكسبير التي يرجح أن يكون اطلاعه عليها قد كان في ترجمة فرنسية؛ وذلك لأن الترجمة العربية التي نشرها محمد عوض إبراهيم بك لم تظهر إلا بعد وفاة شوقي بسنين طويلة، ولم نعثر لها على ترجمة عربية سابقة.
واطلاع شوقي على مسرحية شكسبير نستطيع أن نؤكده استنادا إلى بعض التفاصيل التي لا نظنها تخطئ، وذلك مثل استعارته بعض الأسماء غير التاريخية في مسرحيته وبخاصة اسم وصيفة كليوباترة التي سماها شكسبير شارميان
Sharmain ، والتي أصبحت عند شوقي شرميون، بل وبعض تفصيلات المعاني الشهيرة، مثل ذلك البيت الرائع الذي يجريه شوقي على لسان قيصر عندما يرى كليوباترة ووصيفتيها صرعى دون أن يرى فيهن أثرا لجراح وهو قوله: