تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا أستعين على الأهل الغريب ولا

أرمي الذئاب على غابي وأشبالي

كما يقول:

رباه ماذا يقول المسلمون غدا

إن خنت قومي وأعمامي وأخوالي؟!

يقال في مشرق الدنيا ومغربها

فعلت فعلة نذل وابن أنذال

بل إنه ليعرف لمصر فضلها، ويعترف بهذا الفضل فيقول:

بلد رعاني في الصبا وأحلني

بعد الشباب مراتب القواد

كما يقول:

لا تنس موضع مصر واذكر ما لها

من أنعم سلفت وبيض أيادي

ولم يقف شوقي من مسرحيته الجديدة عند هذا التغيير الجوهري، الذي يقرب بطل المأساة من نفوس المشاهدين والقراء، بل عزز جوانب خير أخرى عديدة في نفس هذا البطل، وأضاف إليها الكثير ليصلح من الفتور الذي يستشعره القارئ إزاء البطل في المسرحية الأولى، فجعل منه رجلا نبيل الخلق يصيح قائلا:

بعدا وسحقا لعلياء الأمور إذا

لم ألتمسها بخلق فاضل عال

وهو بر بالفقراء حتى أصبحت الخزانة بنداه «كالجحر الخرب لكثرة ما يجود وما يهب»، كما أنه يعنى بالأزهر وبالثقافة، «فركن يبنى للثقافة والحجا، وركن يقام للصلاة»، بل وحاول شوقي أن يحببه إلى الجمهور المصري، فأعلن عن اعتزازه بالصانع المصري حيث يقول:

وكل ما أبصرت في

قصري من صنع البلد

فليس يعلو الصانع المص

ري في الذوق أحد

فعل شوقي كل هذا؛ لكي يجلب لبطل قصته ذلك العطف الذي حرمه منه في مسرحيته الأولى، فأفقدها عنصر الإثارة الأساسي في كل مأساة، ومع ذلك يخيل إلينا أن شوقي لم ينجح في هذه المحاولة أيضا؛ وذلك لأن المأساة تدور كلها حول غدر مماليك علي بك الكبير به رغم تبنيه لهم وإحسانه إليهم، وفي رأينا أن شوقي قد بدد كل ما بذل من جهد في مسرحيته الثانية عندما أنطق بطله بعد أن تبين دس محمد بك أبي الذهب له السم بقوله:

محمد نل كل ما شئت مني

ومالي ألومك والسم فني

أخذت الخيانة والغدر مني

وعندما نسمع هذا الاعتراف الساحق الماحق، كيف نستطيع أن نعطف على هذا البطل «الشهيد»، رغم رفضه الاستعانة بالأجنبي على مصر، وبره بالفقراء، وعنايته بدور العلم والعبادة، بل واعتزازه بالصانع المصري.

ولقد يقال إن شوقي بإجراء هذا الاعتراف على لسان بطل مأساته، لم يفعل غير تسجيل حقيقة تاريخية تملأ مسرحيته، كما تملأ صفحات التاريخ، وهي غدر المماليك بعضهم ببعض وقتل عبيدهم لأسيادهم بالتوالي، ونحن نقر بهذه الحقيقة، ولكننا لا نستطيع أن نغفل منافاتها لجوهر المأساة، حيث لا بد أن يثير فينا بطلها نوعا من الانفعال الشعوري إن سخطا وإن رضا، ولكننا في هذه المسرحية نخرج باردين شاعرين بأن الحساب قد سوي، فكما غدر علي بك الكبير بغيره، غدر به محمد بك أبو الذهب، فالقدر قصاص، لا نشعر إزاءه بعطف ولا سخط.

والظاهر أن شوقي لم يكن يجهل هذه الحقيقة منذ أن كتب هذه المسرحية لأول مرة، وأنه قد أحس بالفتور الذي تتركه شخصية بطله في نفوس القراء أو المشاهدين، فحاول أن يزج في المسرحية بشخصيات ثانوية تنال عطف القارئ ومحبته، واختار لذلك شخصيتي آمال، وضاهر العمر، فآمال فتاة أبية ترفض الرق وتثور على أبيها نفسه؛ لأنه يبيعها بالمال، وهي ذات كبرياء، لا تقبل أن تنزل عن كرامتها الإنسانية، كما أنها زوجة مخلصة وفية عفيفة ترفض إغراء مراد بك، رغم شبابه ووسامته إذا قيس بزوجها الشيخ، كما أن ضاهر العمر صديق عالي الخلق، لا يقبل أن يتخلى عن صديقه علي بك عندما اشتدت به الخطوب، بل يضحي بحياته في سبيله، كل هذه الحقائق ازدادت وضوحا في المسرحية الثانية، وإن تكن بذرتها موجودة في المسرحية الأولى، ولكنها مع ذلك لا تنقذ المأساة من الفتور؛ وذلك لأن هاتين الشخصيتين ثانويتان لا يتركز عليهما الانتباه إلا في فترات عابرة، بينما يظل البطل محور الاهتمام المستمر، وما دام هذا البطل قد فقد عنصر الإثارة فقد فقدت المسرحية كلها بالتبعية هذا العنصر، وأصبحت لوحة وإن تكن صادقة في تصوير عصر المماليك، إلا أنها فاترة تعوزها حرارة الدراما وقوة الانفعال، وإن استقامت فيها الأصول الفنية من حيث الحبكة والمفاجآت وحلها، وطريقة جريان الحوار، وخلوه من الحشو الغنائي، الذي يغزو معظم المسرحيات الشعرية الأخرى التي كتبها شوقي.

محاضرات عن مسرحيات شوقي: حياته وشعره · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن مسرحيات شوقي: حياته وشعرهص ١٩