ونخص منها بالذكر نظرته إلى الشعب المصري، فقد لاحظ النقاد أنه بينما يدافع عن كليوباترة، ويحاول أن يرد إليها اعتبارها التاريخي والأخلاقي، نراه لا ينصف الشعب المصري، فيصفه في تلك المسرحية بأنه «ببغاء عقله في أذنيه»، وأنه يصفق «لمن شرب الطلا في تاجه، وأحال عرشه فراش غرام»، وليس من شك في أن هذا النقد قد حمله على أن يسقط من مسرحيته القديمة ذلك المشهد أو «المجلس» كما كان يسميه، الذي يصف فيه الشعب المصري بأنه شعب ذليل لا يصعب ابتزاز المال منه بالسوط والعصا، وهو المشهد الثاني من الفصل الثاني، حيث يجري الحوار بين حنا وكيل علي بك الكبير، وإقبال التي أصبحت آمال في الرواية الجديدة على النحو الآتي:
حنا (وهو يقدم الحساب لإقبال التي أصبحت زوجة لسيده ومديرة لثروته) :
هذا الخلاصة يا أميرة فاسمعي
لي بالقراريط وبالحبات (تبتسم إقبال.)
قد كان عند البيك من عام مضى
عشرون ألفا حلوة الطلعات
ألفان منها مال ذاك العام والبا
قي ضرائب تسعة لم تات (إقبال ترجع إلى الخلف منزعجة.)
إقبال :
لم تأت؟ كيف رأيتمو تحصيلها
هذا لعمري البغي في الغايات
حنا لقد أقعدتني وأقمتني
أكذاك يفعل سائر البيكات؟
حنا (لا تتغير هيئته) :
لا؛ إذ من العادات ما لا يستوي
فيه البيكات لكونهم درجات
إقبال (تتقدم خطوة) :
وبأيما كيفية تحصيلها
ومن الجباة فهن شر جباة
هل في دم الفلاح سر الكيميا
أم هل يدين لكل باغ عاتي
حنا (مبتئسا) :
تحصيلها سهل مع القرصات والكيا
ت والجلدات والشنقات
والضرب فوق الظهر وهو مطاوع
والضرب فوق البطن وهو مواتي
وأمر من ذا بيع واحدة النعا
ج أو التي بقيت من البقرات
إقبال (تشير وجهها نحو السماء باكية) :
الآن بان لي الرشاد بوجهه
وعرفت مصدر هذه الظلمات
وقنطت من مرجو عودك يا علي
ورجوع بيتك ظافر الرايات
هيهات، ناس البغي تسقط مرة
لا يسقطون كغيرهم مرات (تطرق هنيهة، تتقدم نحو حنا ناظرة إلى الدفاتر.)
حنا (يلقي الخلاصة) :
إنما المبلغ الذي قلت عنه
لك لم يبق منه غير القليل
أخذ البيك نصف ذلك مني
لاصطناع الرفاق عند الرحيل
وأتاني محمد أخذ الرب
ع ببأس حلو وعنف جميل
وصرفنا ثلاثة وبما يب
قى نرجي قضاء دين ثقيل
وأنا اليوم قد كبرت فمالي
في الوكالات فابحثي عن وكيل (ينصرف وهو عند الباب.)
هو ذا مذهبي وهذا شعاري
وهو للناس من زمان شعار
لم أحاسب وكان في البيت قط
كيف أرضى وليس في البيت فار
فهذا الحوار وإن كان يشف عن مبلغ جشع المماليك، وقسوتهم حتى ليحصلون ضرائب عشر سنوات لم يحل منها غير ضرائب عام واحد، إلا أنه ينم أيضا عن مبلغ ضعف الشعب حتى ليدين لكل باغ عات، وحتى ليطاوعه ظهره للضرب ويواتيه دون تمرد أو إباء، وبذلك لا يرتفع هذا الشعب عن مستوى شعب كليوباترة الذي أثار ثائرة النقاد، فنزل شوقي عند حكمهم وأسقط هذا الفصل، وإن ظل مع ذلك يلطخ صورة حكم المماليك، بأحلك الألوان التي يمليها التاريخ.
ولعل شوقي قد أحس في مسرحيته القديمة، بأن بطل قصته وسط كل تلك المخازي التي تلطخ جبين ذلك العهد، لم يفز بعطف المشاهدين أو القراء، وبذلك يضعف تأثير المسرحية العاطفي، فحاول أن يكسب هذا البطل شيئا من النبل بأن أبرز سمو خلقه الوطني، فجعله يرفض معونة الروس بعد أن تحالف ضده المماليك والأتراك، وهرب إلى والي عكا، صديقه الشهم ضاهر العمر، كما اتخذ من هذا الموقف وسيلة لتصوير عنصر دراماتيكي يدور في نفس هذا البطل حيث يقول:
مالي قعدت وتركيا مقهورة
والروس حولي يخطبون ودادي
أسطولهم بيدي وقائدهم معي
سأصيب جندي عنده وعنادي
لا يا علي، رويد في الغضب اتئد
ما تلك خطة حكمة ورشاد
ماذا جنت مصر علي وأهلها
إن الجناة علي هم أولادي
وينتهي هذا الصراع الخاطف في المسرحية الجديدة بتغلب نزعة الخير والوطنية على شهوات علي بك الكبير، فيقول: