ومن المفهوم أن شوقي كان يهدف في مسرحيتيه «مجنون ليلى» «وعنترة»، إلى التغني بنبل العرب وسمو أخلاقهم، حتى لنراه يأتي في «مجنون ليلى» بما لا يكاد أن يصدقه العقل؛ لاستعصائه على الطبيعة البشرية، فليلى مثلا لا ترغم على عدم الزواج من قيس رغم غرامها به، وإنما يترك لها الخيار فتختار الزواج من ورد الثقفي نزولا على تقاليد العرب النبيلة، التي كانت تعيب تزوج الفتاة ممن شبب بها وفضح حبه لها، وزوجها ورد لا يقربها بعد الزواج، بل يتركها بكرا، ولا يجد غضاضة في أن يتركها تخلو بقيس عندما قدم إلى خبائه، ومع ذلك ففي مسرحية «عنترة» نرى عبلة، وهي بنت سيد قومها، لا تفضل أحدا على عنترة، وعندما يحتكم إليها لا تتردد في أن تؤثره على صخر، وذلك مع أن عنترة لم يكن أقل تشبيبا بها من قيس بليلى، كما أنه كان ابنا لزبيبة الأمة الحبشية، ولم يرفض أبوها مالك زواجها من عنترة فحسب، بل استعدى عليه منافسيه، وجعل رأسه مهرا لها، بخلاف والد ليلى الذي رفض بإصرار أن يمس أحد قيسا بسوء، باعتباره ابنا للقبيلة تجري في عروقه دماؤها، ولسنا ندري سببا لهذا التناقض الذي لم يفسره لنا المؤلف، اللهم إلا أن تكون بطولة عنترة وسحرها الخارق، قد أحدثت في نفس عبلة ما لم يحدثه قيس في نفس ليلى، وما لم تكن أصالة دم قيس قد أحدثت في المهدي والد ليلى، ما لم تستطع أن تحدثه بطولة العبد عنترة في نفس مالك العبسي.
وعلى أية حال، فالملاحظ أن شوقي قد عالج أحداث التاريخ وأساطيره من الناحية الأخلاقية، وتخير من الأحداث والوقائع ما يتمشى مع وجهة النظر التي اختارها، حتى لتراه يهمل التاريخ الواقعي كله أحيانا، مفضلا أسطورة شعبية تواتي وجهة نظره الأخلاقية، فبالرغم من أن غزو الفرس لمصر قد كانت له أسباب حربية واقتصادية ودولية، يطنب في إيضاحها المؤرخون، إلا أن شوقي لم يقف عند أي من هذه الأسباب، مفضلا أسطورة شعبية رواها هيرودوت، عن رغبة قمبيز في الزواج من بنت فرعون، ورفض تلك الفتاة الزواج منه، ثم تطوع «نتيتاس» بنت الفرعون السابق المقتول بالزواج من الشاه إنقاذا لوطنها، ثم اكتشاف قمبيز لهذا الخديعة وغضبه وغزوه لمصر، وكل ذلك؛ لكي يظهر بطولة الفتاة المصرية، وتضحيتها بنفسها في سبيل الوطن، ولكنه بالرغم من ذلك لم يستطع أن ينقي هذا الدرس الأخلاقي من كل شائبة، فإلى جانب الروح الفدائية الرائعة التي تتحلى بها نتيتاس، تقوم إثرة «نفريت» بنت فرعون الحاكم، بل إن روح التضحية عند «نتيتاس» نفسها لم يصورها الشاعر خالصة نقية، إذ نراه يشير عند مطلع المسرحية إلى حب عاثر اكتوت بناره، إذ لاحظت انصراف «تاسو» حارس فرعون عنها، بعد أن انتقل الملك من أبيها إلى فرعون الجديد، وتلك كانت كارثة أضيفت إلى كارثة قتل أبيها، فامتلأت نفسها يأسا وهانت عليها التضحية، مما يضعف من قيمتها الأخلاقية، ولكن شوقي مع ذلك غلب في مسرحيته الاتجاه الأخلاقي، فاقتصر على مجرد التلميح إلى رزئها في الحب بعد رزئها في أبيها، وبالرغم من تعقد الموقف وتنوع العوامل النفسية، التي كانت تحتشد بها نفسية «نتيتاس»، مما كان يستطيع معه المؤلف أن يعقد الموقف، ويوسع من مجال الكشف النفسي وسبر الأعماق، على نحو ما يفعل كاتب كبير كشكسبير مثلا، نراه يبسط الموضوع، فلا ينمي العناصر النفسية الدفينة، ولا يوضح عملها مكتفيا بالتلميحات العابرة؛ لكي يوفر جهده على إظهار دافعها الأخلاقي ونبلها الوطني، وبذلك أفقر الشخصية لا لشيء؛ إلا لكي يدفعها في الطريق الذي رسمه لها، الهدف الذي اختاره حتى أصبحت مجرد هيكل مسلوب الأعصاب فاقد الحياة، وكأنها مجرد رمز للوطنية والفداء؛ وكل ذلك لأنه مؤلف أخلاقي، أو أراد أن يكون كذلك.
وباستطاعتنا أن نستقصي نفس الاتجاه الأخلاقي وتأثيره على المؤلف في مآسيه الأخرى؛ ففيها جميعا نلاحظ في سهولة أنه حينما يكون هناك مجال واسع لصراع نفسي عنيف، بين هوى النفس والواجب الأخلاقي أو الوطني، لا يتعمق المؤلف في تصوير هذا الصراع بل يغلب، في سهولة، الدافع الأخلاقي على عواطف النفس وشهواتها، دون أن يصور المشقات التي تعانيها شخصياته في هذا الصراع، ولا المعارك التي كان من المنتظر أن تدور في حناياها، وبذلك تبدو انتصارات تلك الشخصيات سهلة رخيصة لا تنفعل لها النفس ولا تهتز لها، حتى الانتصارات الأخلاقية لا تستند إلى أصول عريقة في الضمير الإنساني، بل في الغالب إلى آداب مواضعة اجتماعية، مستمدة من الجماعة لا من أعماق النفس البشرية؛ ولذلك لا يمكن القول بأن للمؤلف فلسفة أخلاقية بذاتها، على نحو ما استخلص النقاد من هذا النوع عند «كورني» مستندة إلى مبادئ «ديكارت»، إذ أرجعوا بطولة شخصيات «كورني» إلى روح الفلسفة الديكارتية المستندة إلى اليقين، بعد تنحية كل عوامل الشك، والتمسك باليقين الأخلاقي عن بينة وتفكير عقلي سليم. •••