وإلى جانب التاريخ الواقعي أو الأسطوري، حاول شوقي في الكوميديا الوحيدة التي كتبها أن يتخذ الحياة منبعا لمادته الأولية، ولقد تساءل النقاد: كيف يستطيع شوقي أن يصور حياة الشعب مع أنه لم يكن يعيش تلك الحياة؟ ولم يختلط بعامة الشعب، وهو الأرستقراطي المدلل الذي كان يخالط الملوك والأمراء وعلية القوم، ويعيش في كرمة ابن هانئ، لا حي الحنفي حيث كانت تعيش «الست هدى» وأمثالها من الطبقة الوسطى أو الدهماء! ولكن هذا النقد مردود؛ لأن أحدا لا يستطيع أن يقرر أن جميع المؤلفين قد عاشوا حياة عشرات أو مئات الشخصيات التي صوروها في قصصهم أو مسرحياتهم، وإلا لكان حتما على شكسبير وموليير وإبسن وشو، أن يعيشوا عيشة اللصوص والمجرمين والأفاقين وقطاع الطرق وحثالة المجتمع، الذين صوروا حياتهم أدق تصوير، وإلا كان مثلهم مثل ذلك المصور الإغريقي القديم، الذي أراد أن يصور الألم البشري من ملامح الإنسان، فاشترى عبدا وأخذ يكويه بالنار؛ لكي يلتقط على لوحته الزيتية تعبيرات الألم الفعلي التي ترتسم على وجهه، وما أفقره خيالا ذلك الذي يحتاج إلى توليد الألم فعلا؛ لكي يصور تعبيراته! ومع ذلك فإننا لا نستطيع أن نقول: إن شوقي قد عاش بمعزل تام عن حياة الناس، وذلك فضلا عن وجود خصائص بشرية عامة مشتركة بين البشر، مهما اختلفت طبقاتهم الاجتماعية، والمؤلف في وصفه للحياة، لا يستقي مادته كلها من ملاحظته أو تجاربه المباشرة، بل يستمد أيضا الكثير من قراءاته، والخيال الخصب قادر على أن يبني البناء الشامخ فوق ملاحظة جزئية توحي إليه بجذورها وفروعها وتشعبها في شتى الاتجاهات، وهذا هو ما فعله شوقي في ملهاة «الست هدى»، التي يصور فيها هي الأخرى داء أخلاقيا متفشيا وهو الطمع في ثروة الزوجة، وتهافت الرجال على المرأة طمعا في مالها، ثم خيبة ذلك الأمل، إذ يموت الأزواج تباعا قبل الست هدى، حتى إذا ماتت هي قبل الزوج الأخير، اكتشف ذلك الزوج لسوء حظه أنها كانت قد أوصت قبل أن تموت بكل مالها لبعض معارفها ولبعض جهات البر، فأسقط في يده، وتنكر له من كان قد أخذ يتملقه باعتبار أنه قد أصاب الثراء، وصور شوقي كل أولئك الأزواج المتعاقبين تصويرا سريعا ولكنه حي، وإن يكن هذا التصوير قد جاء عن طريق السرد والرواية على لسان «الست هدى» لإحدى جاراتها، فبدا مفتعلا لسوء الحظ، والواقع أن الموضوع يستعصي بطبيعته على المسرح، ولو أن المؤلف حاول أن يعرض عرضا فعليا كل هذه السلسلة من الأزواج، لنراهم أحياء يتحركون ويتحاورون ويعيشون على خشبة المسرح، لطال به الأمر وتسرب إلى النفوس الملل، ولأصبحت المسرحية استعراضا مفككا، وإنما احتال المؤلف فعرض بالوصف السريع تلك السلسلة؛ لكي يمهد لمهزلة الزوج الأخير التي تشغل الجانب الأكبر من المسرحية.
والفكرة التي بنى عليها المؤلف مسرحيته ليست في الواقع ملهاة، وإنما هي مأساة أخلاقية لا تختص بها طبقة اجتماعية بذاتها، ولا هي وقف على عامة الشعب، بل يتردى فيها الكثير من علية القوم الذين كان شوقي يخالطهم، فهي مرض إنساني عام صوره شوقي تصويرا ناجحا يضحكنا ويحزننا في نفس الوقت، ويثير في النفس الكثير من التأملات الأخلاقية والإنسانية.
وليس من شك في أن هذا الموضوع قد كان أكثر مواتاة لاتجاه شوقي الأخلاقي، بحيث يمكن القول: إنه لو امتدت به الحياة، واستمر في تصوير واقعنا الاجتماعي والأخلاقي، ونقده على هذا النحو، لأصاب من النجاح أكثر مما أصاب في مآسيه التاريخية، ولخلف لنا أدبا مسرحيا رفيعا في مجال الكوميديا، وإن يكن من الراجح أن النثر أكثر صلاحية للكوميديا من الشعر، بل وربما كان النثر العامي أكثر ملاءمة من النثر الفصيح، حتى يأتي أقرب إلى الطبيعة وألصق بحياة الشعب التي يصورها.