تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي أحيان أخرى نرى النقاد يأخذون على شوقي أنه لم يدرس التاريخ دراسة استقصاء؛ ولذلك لم يستخدم كل ما كان هذا التاريخ يستطيع أن يمده به، وذلك على نحو ما فعل الأستاذ عباس محمود العقاد في كتيبه الصغير رواية «قمبيز في الميزان»، إذ أخذ ينقب عند هيرودوت وغيره من المؤرخين، فعلم أن المشرع اللاتيني الشهير سولون، وأن قارون ملك ليديا الذي يضرب بثرائه المثل، كانا في مصر أثناء حملة قمبيز عليها، فأخذ يلوم شوقي لأنه لم يدخل هاتين الشخصيتين في مسرحيته، ليتحدث الأول عن أصول الحكم والتشريع، ويتحدث الثاني عن المال ومباهجه ونكباته، ومن البين أن هذا النقد نقد تعسفي؛ وذلك لأننا، بفرض صحة ما ذكره الناقد، لا ندري كيف كان يريد أن يقحم شوقي هاتين الشخصيتين التاريخيتين في مسرحيته، دون أن يكون لهما مكان في أحداث المسرحية ولا دور في مجراها! وعلى العكس من ذلك نرى أن هذا الناقد قد أصاب قلب الحقيقة، عندما أخذ على شوقي إهماله لبعض الحقائق التاريخية، التي كان يستطيع استخدامها لإيضاح الحقائق النفسية لأبطال مسرحيته، وبخاصة قمبيز، الذي ينبئنا شوقي أنه قد أصيب بالجنون، دون أن يفسر لنا سبب هذا الجنون، مع أن التاريخ يتحدث عن نكبات بالغة لقيها وجنوده في صحراء ليبيا وفي بلاد النوبة، بل لم يقف شوقي عند هذا الإهمال فحسب، إذ نراه يقلب حقيقة تاريخية كان الفن المسرحي الصحيح يقتضيه على العكس أن يتمسك بها بل ويبالغ فيها، وذلك عندما زعم أن قمبيز كان يعاف الخمر؛ لكي يحتفظ بالصحو في القتال، مع أن الثابت تاريخيا أن قمبيز كان يدمن الخمر، وربما كان ذلك سببا من أسباب جنونه.

وبالرغم من صحة بعض الملاحظات الجزئية التي أخذها النقاد على شوقي، من حيث طريقة استخدامه للتاريخ، فإننا نستطيع أن نقرر أنه لم يخرج عن الحدود العامة التي يلتزمها الأدباء، عندما يستقون مادتهم من التاريخ، فهو لم يمتهن شيئا من حوادثه الكبرى أو من حقائقه العامة، فلم يزعم مثلا أن أنطونيو قد هزم أوكتافيوس، أو أن كليوباترة قد أنقذت مصر من براثن الرومان، ولا أن المعتمد بن عباد قد أنقذ ملكه في إشبيلية، وإنما تصرف شوقي في حدود كليات التاريخ فاحترم الوقائع الكبرى، وإن يكن قد غير من دوافعها النفسية والأخلاقية، وفقا لنزعات مسيطرة على نفسه، وفي مجال التاريخ الأسطوري عن قيس بن الملوح وعنترة، انتقى من أحداثه ما يلائم منهجه الأدبي؛ ولذلك ربما يكون النقد أكثر صحة عندما يتناول هدف شوقي في معالجة التاريخ، واستقامة ذلك الهدف أو تناقضه، ومبلغ سمو هذا الهدف ومقدار جدواه.

وبمراجعة النظرات التحليلية التي زينت بها مسرحياته وكتبت بإيحائه وتحت إشرافه، نحو ما ذكر ابنه الأستاذ حسين شوقي في كتابه «أبي شوقي»، إذ قص كيف أن والده طلب إلى الأستاذ عبد الرحمن الجديلي أن يكتب «النظرات التحليلية» الخاصة بمسرحية قمبيز، نقول: إنه بمراجعة تلك النظرات يتضح أن شوقي كان يهدف إلى تمجيد الوطنية المصرية والنبل العربي، ولكن هل وصل شوقي حقا إلى هذا الهدف، وهل ما وصل إليه يعوض ما فقدناه من تعمق التحليل النفسي، وصدق تصوير الشخصيات، وخصائصها الإنسانية الدفينة؟

لقد زعم كاتب النظرات التحليلية لكليوباترة، أن المؤلف أراد أن يرد إلى مصر اعتبارها، وأن يشيد بمجدها وصدق وطنيتها، ولكن الإشادة بمصر وبمجد مصر كانت تفهم وتتحقق، لو أن المؤلف أظهر إخلاص الشعب المصري وغيرته على وطنه وتفانيه في سبيله، لا دهاء ملكة مصر وطموحها الذي لا يتورع عن أية وسيلة مهما انحطت، ومنذ مطلع المسرحية تسمع من يصف الشعب المصري بأنه شعب أبله يصفق لمن شرب الطلا في تاجهم، وأحال عرشهمو فراش غرام، كما يصفه بأنه «ببغاء عقله في أذنيه»، وتمر تلك الأوصاف دون أن تلقى ردا من أي مواطن مصري، والظاهر أن شوقي شاعر الأمراء لم يكن يحرص إلا على الدفاع عن صاحبة العرش، فكليوباترة في مسرحيته لا تخون أنطونيو، ولا تتخلى عنه في المعركة لغدر منها، وإنما لسياسة عليا هي أن تترك قواد الرومان يفني بعضهم بعضا؛ ليخلو لها بعد ذلك الجو، وتستطيع أن تسيطر على العالم، وأن تجعل من الإسكندرية عاصمته الكبرى، وهي تضحي في سبيل مصر بعبقري جمالها، وذلك مع أن كليوباترة كانت ملكة أجنبية دخيلة على مصر، وكانت خاتمة أسرة شريرة، كم ذبح فيها الإخوة أخواتهم وأقرب الناس إليهم رحما، طمعا في الحكم ومغانمه! ولكنه من الإنصاف أن نقر لشوقي بغنائه الرائع بمجد مصر وخلودها واتخاذ ثراها مقبرة لغزاتها.

محاضرات عن مسرحيات شوقي: حياته وشعره · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن مسرحيات شوقي: حياته وشعرهص ١٠