وهكذا يتضح كيف أن شوقي لم يتقيد بتيار خاص، ولا بمذهب معين، بل جمع بين الشرق والغرب، وبين مذاهب الأدب المختلفة، والظاهر أنه لم يتعمق دراسة فلسفة الأدب، ولم يكون لنفسه حصيلة نظرية من تلك الفلسفة، وإنما كان يستهدي ذوقه الخاص وتفكيره القريب المنال، والواقع أن الفلسفات الأدبية والمذاهب لا ترتجل ولا تصطنع، وإنما تولدها تيارات فكرية وعاطفة خاصة، أو حالات نفسية واجتماعية بعينها، وكان شوقي رائدا في مجال المسرح الشعري، ولم يكن في الميدان غيره حتى تتشعب المذاهب وتتنوع الفلسفات، ولا ينبغي أن نأخذه بالأصول التي سار عليها هذا المذهب أو ذاك في الأدب الغربي؛ فالكثير من تلك الأصول نسبي لم يتحرج الغربيون من الخروج عليها، حتى ولو كانت مما نظنه بديهيا، مثل ضرورة انتهاء المسرحية إلى خاتمة ما، فالمذهب الحديث المسمى بالسريالزم، أو ما فوق الواقع، صدرت عنه عدة مسرحيات تصور جوانب من المعركة التي تدور عليها المسرحية، ولكنها لا تخبرنا عمن كان له النصر في طرفي المعركة، وإنما تترك للقارئ أو المشاهد استنتاج ذلك أو تخيله حسبما يشاء ، وربما قصدت إلى ترك الباب مفتوحا؛ ليستمر القارئ أو المشاهد في التفكير والحدس والموازنة وإعمال الخيال، ومع ذلك لاقت بعض تلك المسرحيات الجيدة نجاحا عظيما، من حيث إنها تشق الحجب عن عالم العقل الباطن العميق، وتتركنا نغوص في حناياه، ونكتشف الدور الخطير الذي يلعبه من خلف الستار في حياتنا الواعية.
ومع ذلك فمما لا ريب فيه أن هناك أصولا عامة كلية لا يستطيع الأدب المسرحي أن يفلت منها، وعلى ضوئها يكتب لهذا الأدب الخلود أو الفناء، والنجاح أو الفشل.
فالأدب المسرحي ككل فن، يتناول مادة أولية يصوغها بأسلوب خاص، وعلى جودة تلك المادة، وبراعة هذا الأسلوب، تتوقف قيمة ذلك الأدب، ولننظر الآن في هذين العنصرين.
| شوقي والمادة الأولية
لقد استقى شوقي مادته الأولية كغيره من الأدباء، إما من التاريخ، وإما من الحياة المعاصرة، ولكن التاريخ كان معينه الأول؛ إذ استمد منه مآسيه الستة، بينما لم يستمد من الحياة غير الملهاة الوحيدة التي كتبها وهي «الست هدى».
فأما التاريخ الذي اختاره شوقي، فقد كان إما تاريخ مصر، وإما تاريخ العرب، وبالرغم من النزعة الوطنية المسيطرة على روحه الأدبية، فإننا نلاحظ أنه قد اختار لمآسيه فترات ضعف وانحلال وهزيمة، في تاريخ مصر أو تاريخ العرب، ف «مصرع كليوباترة» تصور فترة انتهاء استقلال مصر ووقوعها تحت سيطرة الرومان، و«قمبيز» تصور سقوطها في يد الفرس، و«علي بك الكبير» تصور الانحلال الأخلاقي، وتأجج الشهوات بين المماليك خلال الحكم العثماني الفاسد، و«أميرة الأندلس» تصور انهيار حكم الطوائف في إسبانيا، وأما «مجنون ليلى» و«عنترة» فقد اختارهما الشاعر لشهرتهما الشعبية، ولجريان حوادثهما حول شاعرين كبيرين يلائمان مزاجه كشاعر غنائي.
ولقد تساءل بعض النقاد: لماذا اختار شوقي فترات الانحلال في تاريخ مصر والعرب، مع أن هدفه كان تمجيد مصر والعرب؟ حتى اتهمه الأستاذ عباس العقاد في نقده لرواية «قمبيز» بأنه قد اغتاب الشعوب، ولكن هذا النقد في الحقيقة مردود؛ وذلك لأن الكوارث هي التي تظهر معدن الناس، وكان شوقي يهدف إلى أن يظهر البطولة وسط تلك الكوارث، والفكرة في أساسها راجحة الصحة، ولا تثريب عليه في اختيار تلك الفترات كمادة أولية لمآسيه، وإنما يجوز البحث في كيفية استخدامه لتلك المادة الأولية، وهل نجح في الوصول إلى هدفه أم لا؟ وهنا يأتي مجال دراسة إلمام شوقي بالتاريخ، وطريقة استخدامه له.
ولقد قارن النقاد بين التاريخ ومآسي شوقي، وأحيانا نراهم يأخذون عليه استعباد التاريخ له على نحو ما فعل في «مجنون ليلى»؛ إذ أخذوا يلتقطون من كتاب «الأغاني» القصص والنوادر التي رويت عن قيس بن الملوح، ويضعونها إلى جوار أشعار شوقي، زاعمين أنه لم يكن له من فضل غير صياغة تلك الأخبار شعرا، ويعززون نقدهم هذا بأن كل تلك الأخبار لم يروها صاحب «الأغاني» على أنها تاريخ محقق، بل روايات شعبية كان الناس يتناقلونها في جزيرة العرب، وبخاصة في قبيلة بني عامر، ولم يكن هناك ما يدعو شوقي إلى التقيد بهذه الروايات، التي رأى نقاده أنها لا تخلو من سخف أحيانا، ومن إحالة أحيانا أخرى، مثل قصة احتراق ردائه وهو لاه عن نفسه في حديث له مع ليلى، حتى مست النار لحمه الحي، ومثل قصة الشاة التي أبى أن يطعمها؛ لأن خادمته كانت قد نزعت منها القلب، وذلك فضلا عن كثرة إغمائه وإفاقته، وقد كان شوقي يستطيع أن يكتفي بهيكل القصة، وأن يبتكر أعراض الغرام المبرح جسمية كانت أو نفسية، على نحو يشبع الثقافة العصرية والتفكير النفسي الحديث، بدلا من تلك التفاصيل السقيمة، على نحو ما فعل شكسبير مثلا في قصة «روميو وجوليت» التي تغلغلت في أعماق عاطفة الحب وعملها الدقيق المدمر في النفس البشرية، بل وفي أعضاء الإنسان الحسية، وهذا النقد وإن تكن له وجاهته، وبخاصة إذا ذكرنا أن شوقي عند حديثه عن «قيس بن الملوح»، لم يكن يعمل في مجال التاريخ الصحيح، بل في مجال الأسطورة، وكانت الحرية أمامه مطلقة، نقول: إنه وإن يكن لهذا النقد وجاهته إلا أن الطابع الغنائي لهذه المسرحية كفيل بأن يشفع لالتقاطه تلك الروايات الشعبية الساذجة، ولو أن هذه المسرحية مثلت كأوبرا أو صحبتها الموسيقى والغناء، لكان ما تخيره شوقي أدعى إلى النجاح، من التحليلات النفسية والعضوية العميقة التي تطلبها النقاد، والمسرح الغنائي يزداد تحليقا ومداعبة للخيال وإثارة للأحاسيس الجمالية كلما كان أكثر سذاجة، وكانت صوره أكثر انطلاقا.