تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر

وألام في كمد عليك وأعذر

وإن يكن الصديق الشارح لم يأخذ في التنقيب عن المعاني التي يمكن أن يتهم صبري بأنه قد أخذها عن البحتري، بل اكتفى بإيضاح الشبه بين الشاعرين «في حسن التنسيق، وصفاء الديباجة، وسفور المعاني، وعذوبة الألفاظ وطلاوتها، وذلك الجمال الذي تراه شائعا في شعره، مترقرقا في عباراته ترقرق الظل في السحر على أوراق الزهر.»

وبالرغم من كل ما قد يكون في هذه الملاحظات من صدق، إلا أننا لا نميل إلى تركيز الاهتمام على هؤلاء الشعراء في تفسير مزاج إسماعيل صبري وروحه الشاعرية الخاصة، ونفضل أن ننظر إلى هؤلاء الشعراء لا على أنهم من عوامل تكوينه الشاعري، بل على أنه اختارهم وآثرهم بدافع من مزاجه الخاص الذي فطر عليه؛ وذلك أخذا بالحكمة القديمة الصادقة التي تقول بأن اختيار المرء قطعة من عقله.

وإذا كان قد حدث بعد ذلك تجاوب بين صبري وابن الفارض والبحتري ولامارتين، فإن تأثيرهم فيه لا يعدو أن يكون قد عزز اتجاهات نفسه، وساعد على نمو البذرة التي فطرت فيها.

والواقع أن إسماعيل صبري من أولئك الشعراء والأدباء الذين ينطبق عليهم إلى حد بعيد قول أحد كبار النقاد الفرنسيين: «إن أسلوب الرجل هو الرجل نفسه.» وذلك على أن نفهم معنى الأسلوب بالمعنى الغربي؛ حيث نراهم لا يقصدون به طريقة التعبير اللفظي وخصائص ذلك التعبير اللغوية، بل يقصدون طريقة الكاتب أو الشاعر في معالجة الأمور، وفي النظر إلى الحياة ووجهة انفعاله بها، فيقولون: إن هذا الأديب أو ذاك عاطفي الأسلوب، أو خياليه، أو ساخره، أو رقيقه.

شعر إسماعيل صبري يمثل إذن أسلوبه في الحياة ومزاجه الخاص، حتى ليصح القول بأن أسلوب صبري الشعري هو صبري نفسه، وأنه لم يستمد هذا الأسلوب من أحد بقدر ما استمده من أعماق نفسه. وإذا صحت هذه الحقيقة يصبح من العبث البحث عما أخذه عن الغير، بل وعما تأثر فيه بالغير، ويكفيه أصالة أن يكون أسلوبه الشعري مرآة لحياته، ولطبيعة نفسه. ونحن لا نعني بذلك أنه قد قصر شعره على أحداث حياته الخاصة وأحاسيسها، بل نعني طريقة التناول، بصرف النظر عن الموضوعات التي يعالجها؛ ففي هذه الطريقة تظهر أناقته، وعذوبة روحه، ووداعة طبعه وميله إلى اليسر والتسامح واطمئنان النفس، والبعد عن الجلبة والعناد والعنف والتعصب للرأي، على نحو ما لاحظنا عند شاعر آخر كولي الدين يكن، شاعر الانفعالات الفكرية.

وأول ما نلاحظه على إسماعيل صبري ولاحظه غيرنا: سلامة الذوق ورقته، ورهافة إحساسه اللغوي والموسيقي؛ مما أحال شعره غناء، وجعل منتداه الأدبي في بيته سوق عكاظ، بل صالون شعر وصفه حافظ إبراهيم بقوله:

لقد كنت أغشاه في داره

وناديه فيها زها وازدهر

وأعرض شعري على مسمع

لطيف يحس نبو الوتر

كما تحدث مصطفى صادق الرافعي، في مقتطف مايو سنة 1923، عن ملكته الناقدة نقدا يستند إلى سلاسة الطبع، ورقة العاطفة، وسلامة الذوق، فقال: «ولم يكن في مصر ممن يحسن ذوق البيان، ويميز أقدار الألفاظ بعضها عن بعض وألوان دلالتها كالبارودي، وصبري، وإبراهيم المويلحي، والشيخ محمد عبده، رحمهم الله جميعا، والبارودي يذوق بالسليقة، وصبري بالعاطفة، والمويلحي بالظرف، والشيخ بالبصيرة النفاذة. وذلك شيء ركبه الله في طبيعة صبري ولم يحصله بالدرس أكثر مما حصله بالحس؛ ومن أجله كان يفضل البحتري على غيره.»

ولقد روى الدكتور محمد صبري عنه أحكاما مركزة عن شوقي وحافظ ومطران ؛ حيث قال: «شوقي ينظم، وحافظ يبني، ومطران يبتدع.» وهذه عبارات تدل على إحساس فني صادق؛ لأنها تبرز الخاصية الأساسية لكل من الشعراء الثلاثة؛ فشوقي يتميز بروعة موسيقاه، وحافظ ببراعة سبكه، بينما يذهب مطران بالأصالة والابتكار حتى اعتبر رائد التجديد في الشعر العربي المعاصر.

محاضرات عن إسماعيل صبري · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن إسماعيل صبريص ٩