تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكما ترجم شوقي بعض أقاصيص «لافونتين» التي كتبها على ألسنة الحيوانات، نرى صبري يترجم هو الآخر أقصوصة الثعلب والغراب ص137، ويستهلها بقوله:

أبصر الثعلب على غص

ن نضير في روضة غناء

وأما فيما عدا الترجمة أو الاستيحاء المعترف به، فيخيل إلينا أن النقاد قد أخذوا يتعسفون عندما راحوا يلتمسون شبها قريبا أو بعيدا بين هذا البيت أو ذاك، وبين بيت عربي قديم أو بيت فرنسي على نحو ما فعل أحمد محرم في عدد سبتمبر 1934 من مجلة أبوللو، وجاراه الأستاذ عمر الدسوقي في كتابه عن الأدب الحديث، بل وكما فعل أحيانا الدكتور محمد صبري، والأستاذ مصطفى صادق الرافعي. ونضرب لذلك مثلا بقول إسماعيل صبري:

ولما التقينا قرب الشوق جهده

شجيين فاضا لوعة وعتابا

كأن صديقا في خلال صديقه

تسرب أثناء العناق وغابا

فالرافعي يرى أن هذا المعنى أصله لبشار في قوله:

وبتنا جميعا لو تراق زجاجة

من الخمر فيما بيننا لم تسرب

ويعارضه الدكتور محمد صبري، ولكن ليقول: «وأرى إذا كان لا بد وأن يكون صبري قد أخذ هذا المعنى من أحد قبله، وهذا ما لا أظن، فقد أخذه من «مونتيني »

Montaigne

الفيلسوف الفرنسي في القرن السادس عشر، الذي قال في موقف عناق: وما كنت أدري أكان هو أم أنا

je ne sais si c’est lui, si c’est moi . يشير بذلك إلى فناء الشخصين أحدهما في الآخر.»

فأما عما يقوله الأستاذ الرافعي، فإنه إذا كان هناك تشابه بين المعنيين اللذين عبر عنهما بشار وصبري؛ وهو شدة الالتصاق، فإن التصوير البياني الذي يدمغ المعنى بملكية قائله يختلف اختلافا مطلقا عند كليهما؛ فالالتصاق عند بشار لا يسمح بتسرب الخمر لو سكبت بينهما، بينما صبري يقول: إن العناق كان شديدا حتى لكأن الصديق قد تسرب خلال صديقه. وهذا تصوير يختلف تماما عن تصوير بشار.

وأما عن الفيلسوف الفرنسي، فهو لم يقل عبارته في مجال العناق، وإنما وردت في مقال شهير له عن الصداقة، تحدث فيه عن صديق فقده هو دي لابويسيه ورثاه، وفصل القول عن مدى صداقتهما التي وصلت إلى حد الامتزاج الكلي حتى ما كان يميز أحدهما نفسه عن شخص صديقه، وعن هذه الصداقة قال الفيلسوف الفرنسي: «لم أكن أدري أكان هو أم أنا.» بعد أن أوضح أنه كان يقتسم مع صديقه وهو حي كل شيء، حتى ليخيل إليه منذ مات أنه يسرق نصيب صديقه من كل شيء يأكله أو يتمتع به.

ومع ذلك، فإنه إذا كان من التعسف البحث عن جزئيات المعاني أو المشاعر التي يزعم بعض النقاد أن صبري قد أخذها عن غيره من شعراء العرب أو الفرنسيين، فإنه من الثابت باعتراف صبري نفسه وبحقائق حياته أنه قد تأثر في روحه وفنه العام بشعراء بعينهم، تجاوبت معهم روحه، وذهب إليهم تفضيله؛ مثل عمر بن الفارض الذي نحس بروح مشابهة لروحه في قول صبري:

يا رب أين ترى تقام جهنم

للظالمين غدا وللأشرار؟

لم يبق عفوك في السماوات العلى

والأرض شبرا خاليا للنار

يا رب أهلني لفضلك واكفني

شطط العقول وفتنة الأفكار

ومر الوجود يشف عنك لكي أرى

غضب اللطيف ورحمة الجبار

يا عالم الأسرار حسبي محنة

علمي بأنك عالم الأسرار

أخلق برحمتك التي تسع الورى

ألا تضيق بأعظم الأوزار

بل ولقد نحس في هذه المقطوعة، أيضا، شيئا من روح الشاعر المتدين الرقيق لامارتين، دون أن نستطيع الجزم بأنه قد أخذ أية جزئية من جزئيات معانيه عن لامارتين أو غيره، كما زعم الدكتور محمد صبري.

وكذلك الأمر في البحتري الذي يقول صديقه وشارح ديوانه أحمد الزين: إن صبري قد حدثه ذات مرة بأنه حين قرأ ديوان البحتري خيل إليه أنه لم يقرأ شعرا قبله، بل وأحس نفس الشارح بشبه قوي بين الرائية التي قالها صبري في تهنئة الخديوي عباس الثاني بعيد الفطر، وأولها:

بعلاك يختال الزمان تبخترا

وبقدرك الأسمى يتيه تكبرا

وبين قصيدة البحتري الرائية، أيضا، التي قالها في تهنئة الخليفة المتوكل بعيد الفطر كذلك، وأولها:

محاضرات عن إسماعيل صبري · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن إسماعيل صبريص ٨