وسلامة الذوق ترجع - كما قال الرافعي - إلى طبيعة صبري، ورقة مزاجه، وسلاسة طبعه، ورفاهة إحساسه. وكل هذه صفات حددت منهجه الشعري الذي وصفه صديقه ومعاصره خليل مطران وصفا دقيقا صادقا بقوله: «أكثر ما ينظم فلخطرة تخطر على باله من مثل حادثة يشهدها، أو خبر ذي بال يسمعه، أو كتاب يطالعه.» «ولما كان لا ينظم للشهرة، بل لمجاراة نفسه على ما تدعوه إليه، فالغالب في أمره أنه يقول الشعر متمشيا، وربما قاله بحضرة صديق وهو مائل عنه بعنقه، وله بين حين وحين أنة تتمثل ما تنطق به لفظة «إيه» مستطيلة. ينظم المعنى الذي يعرض له في بيتين عادة إلى أربعة إلى ستة، وقلما يزيد على هذا القدر إلا حيث يقصد قصيدة، وهو نادر. شديد النقد لشعره، كثير التعديل والتحويل فيه، حتى إذا استقام على ما يريده ذوقه من رقة اللفظ وفصاحة الأسلوب أهمله ثم نسيه، وهكذا يمر به الآن بعد الآن فيجيش في صدره الشعر، فيرسل بيته إطلاق زوجي الطائر فيذهبان في الفضاء ضاربين من أشطرهما بأجنحة ملتمعة شاديين على توقيع العروض إلى أن يتواريا وينقطع نغمهما من عالم النسيان. ذلك هو الشعر للشعر.»
وهكذا لم يكن صبري يقول الشعر للشهرة، بل لمجاراة نفسه على ما تدعوه إليه؛ ولذلك صح أن يوصف منهجه بأنه الشعر للشعر، بل الشعر للغناء، وكان خير ما قال من شعر هو تلك المقطوعات والقصائد التي قالها للتعبير عن وجدانه الخاص، وهو الشعر الذي غلب عليه في مرحلة كهولته بعد أن نضجت ملكاته، واستوى منهجه، وتخلص من الشعر التقليدي ذي المحسنات البديعية، الذي كان يقوله جريا على عادة عصره في صدر حياته في تهنئة الخديوي أو مدحه، أو في بعض المناسبات الكبرى، بل ورأيناه لا يكتفي بهذا الشعر الغنائي الفصيح فيؤلف للغناء مقطوعات عامية يكاد يجمع معاصروه على أنها ارتفعت بالأغاني ارتفاعا كبيرا، وهذبت الأذواق، حتى ليخيل إلينا أنه كان ذا أثر واضح في بعض شعرائنا المعاصرين الذين اشتهروا بالأغاني مثل أحمد رامي. ولقد حرص جامعو ديوانه على أن يذيلوه بطائفة مختارة من أغانيه العامية الذائعة الصيت؛ مثل أغنية:
قدك أمير الأغصان
من غير مكابر
وورد خدك سلطان
على الأزاهر
والحب له أشجان
يا قلب حاذر
والصد ويا الهجران
جزا المخاطر
وهذا الإحساس المرهف لم يكن بد من أن تصحبه عدة صفات أخلاقية، نطالعها في شعره كما يرويها معاصروه عن واقع حياته، ومن بينها: سمو النفس، والاعتزاز بالكرامة، والبعد عن مواضع المهانة والصغار، فهم يحدثوننا أنه قد كان من بين وجهاء المصريين القلائل الذين لم يدخلوا قط دار اللورد كرومر، صاحب الحول والطول في ذلك الحين، رغم دعوته المتكررة له، وهو يصور في شعره عزة النفس بقوله:
لكسرة من رغيف خبز
تؤدم بالملح والكرامة
أشهى إلى الحر من طعام
يؤدم بالشهد والملامة
بل كان ينتقم لكرامته في دعة وسخرية باسمة، مثل قوله:
أيها التائه المدل علينا
ويك! قل لي: من أنت؟ إني نسيت
ومن كانت تلك عزة نفسه كان من الطبيعي أن يزهد في الحياة ومغانمها الباطلة، ولا يرى في الموت كارثة يفرق لها، بل لعله يؤثر الميت المستريح على ميت الأحياء؛ حيث يقول:
مقابر من ماتوا مواطن راحة
فلا تك إثر الهالكين جزوعا
وإن تبك ميتا ضمه القبر فادخر
لميت على قيد الحياة دموعا
بل وكان يرى في الموت راحة لنفسه ومخلصا من آلامه التي زادتها حساسيته حدة؛ حيث يقول:
يا موت خذ ما أبقت الأي
ام والساعات مني
بيني وبينك خطوة ...
إن تخطها فرجت عني
على أننا لو تركنا شعره الذي يتحدث فيه عن نفسه وعن خوالجه الخاصة، ونظرنا في فنون الشعر التقليدية التي عالجها، وفي القصائد الموضوعية التي نظمها؛ لاتضح لنا على نحو أفصح دلالة ما قلناه من أن صبري ينطبق عليه بحق قول أحد الفرنسيين: إن أسلوب الرجل هو الرجل نفسه.