تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما عن المدرسة الفرنسية التي حرص الأستاذ العقاد على أن يحددها بالمدرسة اللامارتينية، وجاء الأستاذ عمر الدسوقي فعممها على الأدب الفرنسي كله، واستند على البيت الخاص بنزع الثوب لكي يهاجم صبري ومن خلفه الأدب الفرنسي كله، بدعوى أن الأدب الفرنسي «لا يعنى إلا بمحاسن المحبوبة الظاهرة دون الكشف عن لواعج النفس، ومكنون القلب، وبث اللوعة وحرقة الفؤاد.» فكل هذا لا يمكن أن يقره دارس للأدب الفرنسي؛ وذلك لأن الأدب الفرنسي لا نعرف أنه يعنى بمحاسن المحبوبة دون الكشف عن «لواعج النفس وحرقة الفؤاد»، وإنما نلاحظ ذلك على فترة واحدة من فترات الأدب العربي لا الفرنسي، وهي فترة الأدب الجاهلي؛ حيث كان الشعراء يحرصون على وصف محاسن المحبوبة دون لواعج النفس؛ وذلك لأن الأدب الجاهلي كله يمتاز بالوصف الحسي لكافة ما كان يقع عليه بصر شعرائه.

وأما عن المدرسة اللامارتينية، فالبون شاسع بينها وبين إسماعيل صبري، وإلا فأين عند صبري تلك «الرفاهة الباكية التي كان يمثلها لامارتين وإخوانه الأرقاء الناعمون.» فيما يقول الأستاذ العقاد.

وإنه لمن الغريب أن يشيع في بعض الأوساط المصرية والعربية ذلك الفهم الخاطئ لطبيعة المزاج الفرنسي والشعب الفرنسي؛ حيث يتوهم البعض أنه شعب الميوعة وأدب الميوعة. وهذا خطأ ضار؛ فالمزاج الفرنسي انفعالي حار لا رخو مائع، ولقد يدفعهم الانفعال الشديد إلى الحمق أو سوء التصرف، ولكنهم أبعد ما يكونون عن التخنث والنعومة. وعاطفة الحب عند لامارتين عاطفة حارة رفيعة تمتزج بحب الطبيعة، بل وبحب الله في وقدة إحساس صوفي حار، يستطيع من لا يعرف الفرنسية من أدباء العرب الإحساس بحقيقتها بمطالعة قصة رافائيل، أو بعض القصائد التي ترجمت؛ مثل قصيدة البحيرة التي ترجمها الأستاذ أحمد حسن الزيات مترجم «رافائيل»، حتى لقد سمى لامارتين نفسه ديوانه «بالتأملات».

وقصيدة «لواء الحسن» قد حملها - في الواقع - النقاد والباحثون أكثر مما تحتمل، أو غير ما تحتمل عندما استندوا إليها ليتخذوا منها مرآة لمزاج إسماعيل صبري ونفسيته، واستنبطوا منها أنه ليس بشاعر ولا عاشق موله، وإنما هو نديم فاتر لا يغار على محبوبته، ولا يود أن يستأثر بها دون غيره.

هذا، ولعل شارح الديوان الأستاذ أحمد الزين هو الذي يتحمل جانبا كبيرا من مسئولية تفسير قصيدة لواء الحسن على النحو الذي أوضحناه ولا نريد أن نقبله؛ وذلك لأنه قد قدم لهذه القصيدة، التي يؤرخها بسنة 1901، بقوله: «وقد قالها لتترجم إلى اللغة الفرنسوية ضمن مجموعة مختارة من الشعر العربي القديم يراد ترجمته إليها، وهو في هذه القصيدة يخالف غيره من الشعراء في حبهم الاستئثار بالحسن، ويرغب إلى الحسناء أن تسوي بين محبيها في التمتع بالنظر إلى حسنها الباهر.»

ولعله يكون من الصحيح تاريخيا أنه قد كان هناك مشروع لترجمة مختارات من الشعر العربي إلى اللغة الفرنسوية، ونحن نعلم أن واصف باشا غالي الذي أقام معظم حياته في فرنسا كان يقوم بمثل هذه الترجمة، كما نعلم أنه كان صديقا لإسماعيل صبري، بل ونطالع في الديوان خطابا أرسله واصف غالي من باريس إلى إسماعيل صبري، وفيه يطلب إليه أن يبذر بذور السكينة والوفاق بين الأقباط والمسلمين؛ وذلك على أثر اغتيال بطرس باشا غالي، وعقد الأقباط في 6 مارس سنة 1911 مؤتمرا بمدينة أسيوط للنظر في حالهم مع المسلمين، ومطالبة الحكومة بعدة مطالب للطائفة القبطية، ثم رد المسلمون على هذا المؤتمر القبطي بمؤتمر مصري أو إسلامي عقدوه في مصر الجديدة في نفس العام.

وبالفعل أنشأ إسماعيل صبري قصيدة طويلة في هذا المعنى بعنوان «نداء إلى الأقباط»، ص180 من الديوان، بل ونجد في صفحة 84 قصيدة بعنوان «إلى واصف غالي باشا»، يشيد به فيها إسماعيل صبري، وقد ألقاها في حفل أقيم لتكريمه في فندق شبرد تحت رعاية الخديوي السابق عباس حلمي الثاني سنة 1914، ويقول شارح الديوان: إن هذه الحفلة التكريمية قد أقيمت لواصف غالي «لما قام به من ترجمة بعض الشعر في كتاب سماه «روض الأزهار»، ونشر هذا الكتاب في باريس، ولما كان يقوم به أيضا من إلقاء بعض المحاضرات في باريس في الإشادة بفضل الشرق والشرقيين.»

محاضرات عن إسماعيل صبري · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن إسماعيل صبريص ٥