تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يا لواء الحسن أحزاب الهوى

أيقظوا الفتنة في ظل اللواء

فرقتهم في الهوى ثاراتهم

فاجمعي الأمر وصوني الأبرياء

إن هذا الحسن كالماء الذي

فيه للأنفس ري وشفاء

لا تذودي بعضنا عن ورده

دون بعض واعدلي بين الظماء

أنت يم الحسن فيه ازدحمت

سفن الآمال يزجيها الرجاء

يقذف الشوق بها في مائج

بين لجين عناء وشقاء

شدة تمضي وتأتي شدة

تقتفيها شدة؛ هل من رجاء؟

ساعفي آمال أنضاء الهوى

بقبول من سجاياك رخاء

وتجلي واجعلي قوم الهوى

تحت عرش الشمس في الحكم سواء

أقبلي نستقبل الدنيا وما

ضمنته من معدات الهناء

وأسفري، تلك حلى ما خلقت

لتواري بلثام أو خباء

واخطري بين الندامى يحلفوا

أن روضا راح في النادي وجاء

وانطقي ينثر إذ حدثتنا

ناثر الدر علينا ما نشاء

وابسمي، من كان هذا ثغره

يملأ الدنيا ابتساما وازدهاء

لا تخافي شططا من أنفس

تعثر الصبوة فيها بالحياء

راضت النخوة من أخلاقنا

وارتضى آدابنا صدق الولاء

فلو امتدت أمانينا إلى

ملك ما كدرت ذاك الصفاء

أنت روحانية لا تدعي

أن هذا الحسن من طين وماء

وانزعي عن جسمك الثوب يبن

للملا تكوين سكان السماء

وأري الدنيا جناحي ملك

خلف تمثال مصوغ من ضياء

نعم، إن هذه القصيدة هي التي طغت على كافة ما كتب عن إسماعيل صبري ومزاجه القاهري أو «الصالوني»، فكل من كتبوا عنه استندوا إليها لكي يظهروا أن مزاج صبري ليس مزاج شاعر حار منفعل، بل مزاج نديم، أو رجل صالونات، أو ظريف من ظرفاء القاهرة، بل وذهب البعض إلى تفسير هذا المزاج بتأثير الأدب الفرنسي، أو على الأدق الأدب اللامارتيني الذي تفاعل وانسجم مع قاهرية صبري، فقال الأستاذ العقاد: «ولما تهيأ لإسماعيل صبري أن يتلقى العلم في فرنسا، ويطلع على آدابها وآداب الأوروبيين في لغتها، كان من الاتفاق العجيب أن اطلع على الآداب الفرنسية وهي في حالة تشبه حالة الذوق القاهري من بعض الوجوه؛ لأنها كانت تدين - على الأكثر الأغلب - بتلك الرفاهية الباكية التي كان يمثلها لامارتين وإخوانه الأرقاء الناعمون.»

بل وتعسف التفسير بعض الأساتذة الباحثين، مثل الأستاذ عمر الدسوقي في الجزء الثاني من كتابه «في الأدب الحديث»، فعلق على بيت صبري:

وانزعي عن جسمك الثوب يبن

للملا تكوين سكان السماء

بقوله: «وعجيب من صبري المهذب الرقيق الحاشية، رجل النادي الذي اشتهر بأنه لا يفحش، أن يطلب من محبوبته أن تنزع الثوب عن جسمها أمام الندامى، لا بل أمام الملأ أجمعين ليروا تكوين سكان السماء! ولا شك أن هذه فلتة من فلتات صبري ما فطن إليها.» ثم يشمل المقطوعة كلها بتعليقه فيقول: «إن صبري شغل في هذه القطعة - مقتفيا أثر المدرسة الفرنسية - بمحاسن المحبوب الظاهرة عن الكشف عن لواعج نفسه، ومكنون قلبه، وبث لوعته وحرقة فؤاده، فهو ينظر إليها نظرة مادية رخيصة؛ يريدها أن تسفر لأن هذا الحسن لا يصح أن يتوارى، ويريدها أن تخطر بين الندامى ويتمتعوا بهذا الجمال كأنهم في سوق الرقيق، ويريدها أن تتحدث وتبتسم، ويعنى كل العناية بحسنها ومفاتنها حتى لم يستطع إلا أن يطلب منها أن تخلع ثيابها، ولا يبرئه ما وصف به ونداماه من العفة ومن أنها ملك. إنه تقليد مزدوج للعرب القدماء وللمدرسة الفرنسية على السواء.»

ونحن نصف هذا التفسير بالتعسف، ولكنه في الواقع خطأ في الفهم، فالبيت الخاص بنزع الثوب لا يمكن فصله عن البيت السابق له وهو:

أنت روحانية لا تدعي

أن هذا الحسن من طين وماء

كما لا يمكن فصله عن البيت الذي يليه وهو:

وأرى الدنيا جناحي ملك

خلف تمثال مصوغ من ضياء

فالأبيات الثلاثة تكون رؤية شعرية واحدة يزعم فيها الشاعر أن الفتاة «روحانية» ليس حسنها من «طين وماء»، وإنما هي «تمثال مصنوع من ضياء»، وبه «جناحا ملك». وهو يريد منها أن تنزع الثوب لكي تثبت صحة رؤيته الشعرية، فلن يظهر عندئذ جسم بشري، بل «تمثال مصنوع من ضياء» هو «تكوين سكان السماء»، وبذلك لا تكون «فلتة» من إسماعيل صبري، ولا يكون هناك «سوق للرقيق»، ولا «عرض لجسم عار بين الندامى»، وإنما هناك رؤية شعرية روحية.

محاضرات عن إسماعيل صبري · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن إسماعيل صبريص ٤