تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كل هذه الوقائع التاريخية قد تغري بالظن بأن قصيدة «لواء الحسن» قد أعدت أو صنعت لتترجم إلى الفرنسية، أو ليترجمها واصف باشا غالي بالذات، وإن كنا قد راجعنا كتاب «روض الأزهار» - الموجود بدار الكتب المصرية، والمنشور سنة 1913 - فلم نجد تلك القصيدة من بين ما يضمه هذا الكتاب.

وسواء أكانت هذه القصيدة قد ترجمت أو لم تترجم إلى الفرنسية، فإن الذي نحرص على إيضاحه وتصحيحه هو تبديد ما يتوهمه البعض ممن لا يلمون بالشعر الفرنسي الإلمام الكامل، وبشعر لامارتين وغيره من الرومانسيين بنوع خاص، من أن هذه القصيدة تجري مجرى الشعر الفرنسي، وتتلاقى فيها روح ذلك الشعر مع الروح القاهرية التقاء يتركز في روح الاستهتار بالحب، وعدم تقديسه، وتجريده من تلك الوحدانية، بل الأثرة الطبيعية التي تتميز بها تلك العاطفة في جميع الشعر الصادق الحار.

والواقع أن لواء الحسن أو المرأة الجميلة التي يتحدث عنها إسماعيل صبري في هذه القصيدة ليست امرأة مبتذلة، ولا نهبا للأطماع، وإنما هي امرأة روحانية تقصر عن التطلع إليها شهوات النفوس. وليس في القصيدة أية نغمة حسية أو مستهترة أو مبتذلة، وهي أبعد ما تكون عن روح الندماء ومجالس الظرف أو الخلاعة. وكل هذا يغرينا بأن نرجح أنها قصيدة تعبر عن تجربة بشرية صادقة شريفة، بل وأن نميل إلى الاعتقاد بأنها قيلت في الآنسة مي زيادة بالذات.

نعم، إن هناك صعوبات في التواريخ؛ وذلك لأن ناشر الديوان يقول: إن قصيدة لواء الحسن قد نشرت في سنة 1901، والدكتور منصور فهمي يرجح في المحاضرات التي ألقاها في هذا المعهد عن الآنسة مي، أنها قد ولدت بين عامي 1885 و1886، وإذا صح هذان الخبران، فيكون معنى ذلك أن إسماعيل صبري قد قال قصيدة لواء الحسن ومي في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة من عمرها، ولكننا على أية حال لا نستطيع أن نجزم بمدى صحة هذين التاريخين؛ فقد تكون القصيدة أحدث تاريخا، وقد تكون مي أقدم ميلادا.

وعلى أية حال، فإنه إذا صح تاريخ ميلاد مي السابق، وقورن بما هو مؤكد رسميا من ميلاد إسماعيل صبري في 16 فبراير سنة 1854، يكون معنى ذلك أن بينه وبينها من فارق السن ثلاثين عاما على الأقل. ومع ذلك، فإن في ديوان صبري بيتين ص128 يذكران مي بصريح اللفظ، وهما بيتان أرسلهما إليها في أحد أيام الثلاثاء التي كانت تعقد فيها ندوتها. وقد اضطر صبري في ذلك اليوم إلى التخلف عن حضورها بسبب بعض أسفاره، وهذان البيتان هما:

روحي على دور بعض الحي حائمة

كظامئ الطير تواقا إلى الماء

إن لم أمتع بمي ناظري غدا

أنكرت صبحك يا يوم الثلاثاء

وفضلا عن ذلك فإن لدينا مقطوعة أخرى تصدر عن نفس الروح التي تصدر عنها قصيدة «لواء الحسن»، وقد أرخها الناشر بسنة 1909:

يا راحة القلب يا شغل الفؤاد صلي

متيما أنت في الحالين دنياه

زيني الندى وسيلي في جوانبه

لطفا يعم رعايا اللطف رياه

ريحانة أنت في صحراء مجدبة

من الرياحين حيانا بها الله

إن غاب ساقي الطلا أو صد لا حرج

هذا جمالك يغنينا محياه

وعلى أية حال، وسواء أكانت قصيدة لواء الحسن، وهذه القصيدة الأخيرة وأمثالهما مما قد نجده في ديوان صبري قد قيلت في الآنسة مي، أو في فتاة أو سيدة مهذبة شريفة مثلها، فإننا في كلتا الحالتين نستطيع أن نجزم بأن هذه القصائد لم يقلها إسماعيل صبري متأثرا بالأدب الفرنسي، بل قالها صادرا عن تجربة واقعية ومزاج خاص؛ وذلك لأننا لا نعرف في الأدب الفرنسي غزلا يشبه في روحه هذه المقطوعات، وإنما نعرف في الأدب الفرنسي أحد اتجاهين: إما الاتجاه الرومانسي، وهو الاتجاه العاطفي الحار المنفعل الثائر أحيانا كما هو الحال عند ألفريد دي موسيه، والرقيق المتأمل، بل والباكي أحيانا كما هو الحال عند لامارتين، الذي يختلط عنده حب الحبيبة بحب الطبيعة - كما قلنا - بل وبحب الله أحيانا، والتأمل فيه. ثم الاتجاه البودليري الذي يمكن أن يسمى بالأدب المكشوف، وهو لا يشبه مقطوعات صبري العفيفة في شيء. وإذا لم يكن بد من التماس شبيه لهذا الاتجاه البودليري في الأدب العربي، فقد نجده عند الشاعر عمر بن أبي ربيعة، ثم بنوع خاص عند بعض الجاهليين؛ مثل امرئ القيس، الذي لم يكن يتورع عما يزعمه من أنه كان يلهي عشيقته عن مرضعها «ذي التمائم المحول»؛ حيث يقول:

محاضرات عن إسماعيل صبري · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن إسماعيل صبريص ٦