تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالقرب عيدي والبعاد وعيدي

إلى أن يقول:

ليطيب لي في حبها ذلي كما

في مدح إسماعيل لذ نشيدي

ثم يستمر على هذا النهج في كافة قصائد المدح والتهنئة، ولا يقلع عن الطريقة التقليدية إلا في بعض المقطوعات الصغيرة.

وأما النوع الثاني من شعره فهو شعره الذاتي الذي يصدر فيه عن مزاج أصيل، قد نستطيع التقاط ملامحه من ذلك الشعر نفسه، وإن كان من الشاق تفسيره. وهذا المزاج هو ما وصفه البعض بأنه مزاج قاهري، أو مزاج رجل الصالونات، أو مزاج النديم. وذهب البعض في تفسيره إلى أنه طبع جبل عليه إسماعيل صبري الذي ولد أنيقا مرهفا، حتى لقد برع في فن الخط وأوشك أن يتخذه مهنة، لولا أن صرفه عن ذلك علي مبارك باشا، الذي ضن بمواهبه عن أن تقف عند هذه المهنة، فدفعه إلى السير قدما في الدراسة، ثم في الحياة، ولكن التفسير بالطبع والجبلة لا يعتبر في الواقع تفسيرا، وإنما هو تسجيل لواقعة راهنة، ولذلك أخذ بعض النقاد يبحثون عن تفسير هذا المزاج الرقيق المرهف في بيئة القاهرة، ومجالس الظرفاء فيها، فقال الأستاذ العقاد: «إذا أتيح لك أن تحضر مجلسا من مجالس الظرفاء القاهريين في الجيل الماضي، خيل إليك أنك في حجرة رجل نائم مريض، فالكلام همس، والخطو لمس، والإشارة في رفق، وسياق الحديث لا إمعان فيه ... في هذه البيئة نشأ إسماعيل صبري الشاعر الناقد البصير بلطائف الكلام، فنشأ على ذوق قاهري صادق يعرف الرقة بسليقته وفكره، وليس يتكلفها بشفتيه ولسانه.»

ولكن هذه البيئة القاهرية ومجالس الظرفاء فيها لم تكن تضم إسماعيل صبري وحده، بل ضمت غيره ممن يخالفونه مزاجا وشعرا مخالفة كاملة مطلقة؛ كولي الدين يكن الذي عاش مع إسماعيل صبري في نفس البيئة، بل وغشي معه مجالس مشتركة مثل ندوة الآنسة مي، ومع ذلك أين ولي الدين الدائم الانفعال والعنف من إسماعيل صبري الهادئ الوديع المسالم الذي يقول:

إذا خانني خل قديم وعقني

وفوقت يوما في مقاتله سهمي

تعرض طيف الود بيني وبينه

فكسر سهمي فانثنيت ولم أرم

كما يقول:

إذا ما دعا داع إلى الشر مرة

وهزت رياح الحادثات قناتي

ركبت إليه الحلم خير مطية

وسرت إليه من طريق أناة

بل لقد ينساه الناس ولا يعود يذكره أحد، وكأنه حي ميت، فلا يثور ولا ينفعل ولا يسخط، بل يعروه أسى رقيق يعبر عنه بقوله:

أين صبري؟ من يذكر اليوم صبري

بعد أعوام عزلة وشهور؟

اسألوا الشعر فهو أعلم، هلا

أكلته الأسماك طي البحور

وهذه النفس الهادئة المطمئنة لا يخيفها الموت نفسه ولا تنفر منه، بل تدعوه أن يحث الخطى؛ حيث يقول:

يا موت ها أنا ذا فخذ

ما أبقت الأيام مني

بيني وبينك خطوة

إن تخطها فرجت عني

ولا غرابة في ذلك، فمزاجه الهادئ قد أوحى إليه بفلسفة مماثلة عن الحياة والموت، فقال:

إن سئمت الحياة فارجع إلى الأر

ض تنم آمنا من الأوصاب

تلك أم أحنى عليك من الأم

التي خلفتك للأتعاب

لا تخف فالممات ليس بماح

منك إلا ما تشتكي من عذاب

وحياة المرء اغتراب فإن ما

ت فقد عاد سالما للتراب

والواقع أن كل محاولة للتفسير لا بد أن تصل في النهاية إلى جوهر الشخصية الإنسانية الذي لا يمكن تفسيره، والذي به يتفاوت الأدباء والشعراء، بل ويتفاوت الناس قاطبة؛ ففي داخل كل شخصية بشرية يوجد ذلك الجوهر أو تلك النواة التي يتميز بها العنصر الأصيل في كل فرد، وإنما تأتي العوامل الخارجية لتعزز الاتجاهات الفطرية، أو لتخفف من حدتها أو تخفي من معالمها، وعلى هذا الأساس يمكن أن نقبل ما يقال في تفسير مزاج هذا الشاعر أو الأديب أو ذاك.

هذا، ولإسماعيل صبري قصيدة نشرها في سنة 1901 تحت عنوان: «لواء الحسن»، أكبر الظن أنها كانت القصيدة التي وجهت الباحثين والدارسين كل وجهة في دراستهم لإسماعيل صبري، ومحاولة تفسير مزاجه، واكتشاف المؤثرات التي ساهمت في تكوين ذلك المزاج وتوجيه شعره. وها هي هذه القصيدة:

محاضرات عن إسماعيل صبري · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن إسماعيل صبريص ٣