تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لم أجد فيكم فتى ذا همة

إن عدا الدهر عدا أو صال صال

رحم الله وزيرا سامه

قومه ما ليس يرضى فاستقال

ولقد يظهر في سنة 1910 مذنب هالي المشهور، فيتخذ ظهوره مناسبة يصف فيها ما في الناس من نفاق ورياء وطمع بعضهم في بعض، واسترقاق قويهم لضعيفهم، ويتمنى أن لو أهلك هذا المذنب جميع من في الأرض فيستريح بعضهم من بعض.

وها هي هذه القصيدة التي تعتبر من خير مطولاته ص140:

غاض ماء الحياء من كل وجه

فغدا كالح الجوانب قفرا

وتفشى العقوق في الناس حتى

كاد رد السلام يحسب برا

أوجه مثلما نثرت على الأج

داث وردا إن هن أبدين بشرا

وشفاه يقلن أهلا ولو أد

ين ما في الحشا لما قلن خيرا

عمرك الله هل سلام وداد

ذاك أم حاول المسلم أمرا؟

عميت عن طريقها أم تعامت

أمم في مفاوز الجهل حيرى

غرها سعدها ومن عادة السعد

يواتي يوما ويخذل دهرا

فتجنت على الشعوب وشنت

غارة في البلاد من بعد أخرى

نسيت في الصعود يوم التدلي

والتدلي بصاعد الجد مغرى

تعب الفيلسوف في الناس عصرا

وتولى السرائر الدين عصرا

والورى طارد إزاء طريد

وعقاب يمسي يطارد صقرا

وجيوش يفل من بعضها

البعض وهضب كبرى تناطح صغرى

حاذري يا ذئاب صولة أسد

منك أقوى نابا وأنفذ ظفرا

لا تنامي يا أسد إن ذئابا

لم تنم من روابض الغيل أضرى

عبر كلها الليالي ولكن

أين من يفتح الكتاب ويقرا؟!

أنت نعم النذير يا نجم هالي

زلزل السهل والرواسي ذعرا

ظن قوم فيك الظنون وقالوا

آية أرسلت من الله كبرى

إن يكن في يمينك الموت فاقذف

ه شواظا على الخلائق طرا

هل تلقيت من لدن خاذل البا

غي وحامي الضعيف يا نجم سرا

أمحيط بكل شيء ومرد

كل حي وتارك السهل وعرا؟

أغدا تستوي الأنوف فلا ين

ظر قوم قوما على الأرض شذرا؟

أغدا كلنا تراب ولا ملك

خلاف التراب برا وبحرا؟

أغدا يصبح الصراع عناقا

في الهيولى ويصبح العبد حرا؟

إن يكن ما يقولون يا نجم فاصدع

بالذي قد أمرت حييت عشرا

فهذه القصيدة وإن تكن في الأخلاق، إلا أننا لو بحثنا عن أساس الأخلاق فيها لما وجدناه في الضمير الديني أو الضمير الاجتماعي بقدر ما نجده في الضمير الجمالي، فهو لا يكره النفاق والغطرسة وبطش القوي بالضعيف لمنافاة كل ذلك للدين أو أصول المجتمع، بقدر ما يكرهه لما فيه من قبح ودمامة تتمثل في تلك الوجوه القبيحة بشرها قبحا يذكره بالأجداث.

وهو يكره كل إسراف في الغرور والاطمئنان إلى إقبال الحياة؛ وذلك لما في كل إسراف من قبح يذهب بمعالم الجمال في كل حياة منسجمة معتدلة منسقة، وكأننا به يستمد فلسفته الأخلاقية من أولئك الإغريق القدماء، الذين كانوا يجعلون من الحق والخير والجمال أقانيم مقدسة متصلة يكاد أحدها يرادف الآخر، وإن كنا على يقين من أنه لم يستوح أساس الأخلاق عنده من أحد، وإنما استوحاها على وعي منه أو غير وعي من طبعه الخاص، ومزاجه الجميل المنسجم.

هذا المزاج الوادع المتواضع الذي يود أن لو اصطدم مذنب هالي بالأرض فأبادها وأباد من فيها، حتى تستوي الأنوف فلا ينظر قوم قوما على الأرض شذرا، وحتى يصبح الصراع عناقا في الهيولى، ويصبح العبد حرا.

وهكذا تكتمل أمامنا الحلقة التي توضح أصالة صبري في صدوره عن مزاجه الخاص وطبيعة نفسه فيما أبدى من رأي، أو ساق من خالجة وجدان، وفيما عالج من فن تقليدي أو نظم من قصيدة موضوعية؛ ففي كل هذا الشعر الذي قاله بعد أن نضجت شاعريته، وتخلص من الشعر التقليدي والدروب المطروقة التي ساقته إليها روح العصر في صدر شبابه، نجد شاعرا يصدق عليه ما يقال من أن «أسلوب الرجل هو الرجل نفسه»، وأسلوب صبري في الحياة هو أسلوبه في الفن: مزاج رقيق، وحساسية مرهفة، ووداعة في الطبع، ولين في العريكة. وكل هذه الصفات هي التي تحدد أصالته.

وبالرغم من هذا المزاج الخاص - بما فيه من يسر ووداعة - فإن صبري لم يهمل قضايا وطنه، ولا واجهها ببرود، بل نراه يعنى بهذه القضايا، ويتحدث عنها على النحو الذي يتفق ومزاجه في غير مبالغة ولا طنطنة لفظية، أو استهواء للجماهير. ولعلنا نلمح هذه الروح أوضح ما تكون في تلك القصيدة التي نشرها في سنة 1909 على لسان فرعون، وفيها يستحث الأمة المصرية على طلب المجد، ويذكرها بماضيها فيقول:

محاضرات عن إسماعيل صبري · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن إسماعيل صبريص ١٣